في زمن أصبح فيه الإنجاز يُقاس بعدد الصور المنشورة، والبيانات الموزعة، يخرج من رحم الصبيحة نموذج مختلف يكسر القاعدة: لؤي عبدالحكيم احمد سعيد الصبيحي، مدير عام الحوطة بمحافظة لحج.
رجل اختار أن يعمل بصمت، فصرخ إنجازه. أن يتواضع حتى تظنه مواطناً عادياً، فرفعته أفعاله.
لفتة في توقيت حساس
لعل أبلغ ما يلخص فلسفة الرجل في الإدارة هو تكريمه الأخير للأستاذة فاطمة الحاج رئيسة اتحاد نساء اليمن بلحج. التكريم لم يكن مجرد بروتوكول، بل رسالة سياسية وإدارية في ظرف بالغ التعقيد. رسالة تقول: "الاستثمار في الكادر البشري أولاً". في وقت يلهث فيه البعض خلف مشاريع الإسمنت والحجر، يراهن لؤي على الإنسان.
مدير عام بـ"نفر رز ودجاج"
عرفت الرجل عن قرب منذ كان مستشاراً لشؤون الحوطة وتبن. واليوم بعد تكليفه مديراً عاماً، أجزم أنه لم يتغير قيد أنملة.
قبل أيام جمعتني به الصدفة في أحد مطاعم الفيوش. دخل وحيداً، لا حرس ولا موكب، بابتسامة وطلّة مواطن بسيط. بادرني بتلقائية: "فرصة التقيت بك.. ما أحب آكل لحالي".
المفاجأة لم تكن في تواضعه، بل في وجبته. حين وصل الطعام، كان غداء مدير عام أكبر مديريات لحج: "نفر أرز مع دجاج". والله على ما أقول شهيد.
أكل لقمة واحدة ومضى على عجل لزيارة مريض في أحد المشافي. غادر وكأن الخجل يكسو وجهه لأنه لم يستطع إكمال جلسته.
هذه هي الحكاية كلها. مدير عام لا يعرف الترف، ولا يجد في قاموسه التبختر أو الغرور. قوافله الإغاثية تصل المحتاجين، كسوة العيد تدخل بيوت الفقراء، وتكريمه للمعلمين وتحفيزه للمبدعين مستمر.. كل ذلك بلا كاميرات وبلا ضجيج.
المفارقة المؤلمة: من يعمل يُحارب
هنا تكمن المأساة التي يعيشها العمل العام في اليمن. لؤي عبدالحكيم يعمل وسط تعتيم إعلامي متعمد. فهو لا ينشغل بالإعلام، والإعلام لا ينشغل بمن لا يدفع.
في المقابل، تجد أصحاب "الضجيج الفارغ" تُفرد لهم المساحات صباح مساء، للحديث عن مشاريع وهمية لا وجود لها إلا في مخيلتهم وبياناتهم الصحفية.
سؤال لقيادة محافظة لحج: ماذا أنتم فاعلون؟
لؤي عبدالحكيم احمد سعيد الصبيحي هو أحد شباب لحج الأبطال الذين كانوا "عنوان الدولة" منذ وقت مبكر. شاب فطن، ذكي، متمرس، وصاحب أخلاق وتواضع استثنائي.
والسؤال الذي يجب أن تجيب عليه سلطة لحج اليوم بوضوح: هل سترعى هذه النماذج النادرة وتدعمها، أم أن المكافأة المعتمدة في بلادنا هي "تغيير كل مدير نشط"؟
لقد رأينا كيف كان مصير بعض المدراء المتميزين الذين شكلوا نموذجاً في النزاهة والعمل.. كان الإبعاد والتهميش هو جزاؤهم.
إن استمرار هذه الثقافة يعني شيئاً واحداً: قتل روح المبادرة ودفع الكفاءات للانكفاء. والتاريخ، والناس، لن يرحموا من يخذل المخلصين.
الحوطة اليوم تقول كلمتها: شكراً لؤي عبدالحكيم. والكرة الآن في ملعب قيادة المحافظة.