بينما انا اتصفح الفيس بوك ذكرني بمنشور لابيات شعريه حفضتها عند سماعي لها من احدهم دون ان اعرف
من قائلها فنشرتها عند سماعي قبل سنتين وعندما شاهدتها اليوم قررت اكتب عنها مقال لانها تحاكي واقع اليوم
.
بالعود لخضر بن علي بخّر عكم
غلطان من بخّر عكم ملئه دمان
رو الحليم النجم والثور العلم
من هو عكم يبقى عكم طول الزمان
هذه الأبيات ليست مجرد كلمات منظومة بل هي فلسفة شعبية عميقة تضرب في جِذر المنطق والتعامل مع
الواقع .
لطالما كانت الأمثال الشعبية هي المختبر الذي تُكثف فيه الشعوب تجاربها وفي الأبيات التي بين أيدينا نجد نقدًا
لاذعًا لواحد من أقدم العيوب البشرية محاولة تجميل القبح بدلًا من إزالته .
عندما يحاول بن علي تبخير العكم (حضيرة المواشي) بالعود الأخضر الغالي فهو لا يرتكب خطأً في التقدير
فحسب بل يرتكب خطيئة بحق المنطق العكم بطبيعته مكان لـ الدمان (المخلفات) ومهما بلغت جودة البخور فلن
يصمد أمام الرائحة المتأصلة في المكان .
ان بعض المستنفعين يحاولون تلميع صورة الفساد أو الفشل ببروباجندا إعلامية (بخور) بينما الحضيرة من
الداخل ما زالت مليئة بالمخلفات إن محاولة تحسين المظهر دون إصلاح الجوهر هي هدر للجهد والمال .
يقول البيت الثاني رو الحليم النجم والثور العلم وهنا تفريق عبقري بين مستويات الوعي الحليم يكفيه النجم
(إشارة بعيدة تلميح رؤية واسعة) ليعرف طريقه هو شخص يستجيب للمنطق والعقل .
الثور لا يتحرك إلا بـ العلم (حدود المحراث القوة المادية التوجيه القسري) .
هذا البيت يخبرنا أن أسلوب الإدارة والإرشاد يجب أن يتناسب مع عقلية المتلقي فمن لا يقوده العقل ستقوده
الحاجة أو القوة .
يختم الشاعر بعبارة صادمة في واقعيتها من هو عكم يبقى عكم طول الزمان قد يبدو هذا الحكم قاسيًا أو منافيًا
لفكرة التغيير لكنه في الحقيقة يشير إلى الهوية الجوهرية المقصود هنا أن بعض الأمور أو الأشخاص الذين
جُبلوا على طبيعة معينة خاصة إذا كانت مرتبطة بالخمول أو القذارة المعنوية يصعب تغييرهم بمجرد مصلحات
خارجية إنها دعوة للقبول بالواقع كما هو بدلًا من الغرق في أحلام اليقظة بتغيير من لا يريد التغيير .
إننا نعيش في عصر البخور بامتياز حيث يتم تلميع كل شيء بالكلمات المنمقة والفلاتر الجمالية لكن الحكمة
القديمة تذكرنا دائمًا نظّف العكم أولًا قبل أن تفتح كيس البخور فالرائحة الطيبة لا تثبت في مكان لم يعرف
النظافة من الأساس .