آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-02:35ص

الهروب إلى الأمام: مخاض 22 مايو وفخاخ الجغرافيا السياسية (1)

الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 06:49 م
عوض عميران

​يطل علينا الثاني والعشرين من مايو، حاملاً معه عبق ذكرى استحقاق وطني تاريخي، لم يكن مجرد توقيع بروتوكولي، بل ثمرة نضال مرير خاضه اليمنيون شمالاً وجنوباً، وتطلعت إليه أرواح وأفئدة جيل بأسره. كانت الوحدة في العام 1990 "فلتة تاريخية" بكل المقاييس، أتت في لحظة اتسمت بذهول وانشغال القوى الإقليمية والدولية التي كانت تعيش حالة صدمة جراء الانهيار الدراماتيكي للاتحاد السوفيتي وتفكك منظومة المعسكر الاشتراكي وحلف وارسو، مما فتح ثغرة في جدار الزمن ليمرر اليمنيون مشروعهم الكبير.

​بريطانيا وإجهاض "حلم القاهرة"

​لكن قراءة هذا المنجز لا تستقيم دون العودة إلى الجذور والبحث في "الألغام" التي زرعت في طريق اليمنيين. فبريطانيا التي احتلت عدن لـ 129 عاماً، لم يكن رحيلها بريئاً؛ إذ حرصت بكل ثقلها على إفشال أي رؤية قد تقود إلى توحيد اليمن فور انسحابها. ولعل الشاهد التاريخي الأبرز هو دور لندن في إجهاض "حوار القاهرة" الذي دار بين جبهة التحرير والجبهة القومية.

​لقد وصل ذلك الحوار إلى مراحل متقدمة جداً، وكان على وشك إعلان نتائج تؤسس فعلياً لوحدة اليمن (شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً). هذا التقارب أثار قلقاً بالغاً في "داونينج ستريت"، مما دفع وزير المستعمرات البريطانية حينها لإعلان اعترافه بالجبهة القومية ممثلاً شرعياً ووحيداً لشعب الجنوب. لم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء إداري، بل كان "رصاصة الموت" التي أُطلقت على حوار القاهرة. وسارعت لندن بعدها لانتزاع اعتراف دولي بالدولة الوليدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليرتفع علمها إلى جانب دول العالم، في خطوة سياسية هدفت بالأساس إلى تأجيل إعلان وحدة اليمن لأكثر من عقدين من الزمان.

​بلوغ الذروة.. الهروب نحو "الوحدة"

​مع حلول أواخر الثمانينيات، كان الوضع اليمني قد بلغ ذروة التعقيد على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كان الجنوب، على وجه الخصوص، يعيش حالة من العزلة الدولية والانسداد السياسي، ترافق مع تململ شعبي لم يعد يخفى على كل ذي عين بصيرة.

​أمام هذا الواقع المأزوم، اختار طرفا الوحدة ما يمكن تسميته "الهروب إلى الأمام". وبدلاً من التأسيس العقلاني المتأني، تسارعت إجراءات إعلان الوحدة بطريقة "إحراق المراحل". تم تغييب العقلانية في وضع الأطر والقواعد القانونية الدقيقة التي تنظم مثل هذا التحول التاريخي الجسيم، وهو ما جعل بنيان الوحدة يفتقر إلى المصدات اللازمة لمواجهة العواصف السياسية والاجتماعية التي كانت تتربص به داخلياً وإقليمياً.

​"ذهاب السكرة وحضور الفكرة"

​لم تكد تنتهي احتفالات التوقيع حتى بدأت الحقائق المرة تفرض نفسها؛ فبعد أن "ذهبت السكرة وجاءت الفكرة"، تبين أن أطراف العملية السياسية ما زالوا مسكونين بهواجس تاريخية متجذرة في وعيهم وفي "جينات" الطبقة السياسية لدى الطرفين. كانت النفوس مشحونة بتباينات جهوية ومناطقية حادة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على السلوك السياسي اليومي، فضلاً عن الهوة الأيديولوجية السحيقة التي عززت دعوات الفرز والاستقطاب الحاد.

​خلال المرحلة الانتقالية التي استمرت ثلاث سنوات، سقطت القوى السياسية في فخ "الفعل ورد الفعل". دخل الخطاب السياسي في نفق التعبئة، مما خلق حالة توتر شديدة بدأت من قمة الهرم النخوبي وصولاً إلى المواطن البسيط. أصبح اليمن يستيقظ يومياً على أحداث درامية، أمنياً وسياسياً، تنذر بأن الصدام قادم لا محالة.

​زلزال 1993.. واللعب على حافة الهاوية

​كانت انتخابات 1993 البرلمانية هي المحك الحقيقي، لكنها بدلاً من أن تكون حلاً، أصبحت هي "القشة التي قصمت ظهر البعير". أفرزت الصناديق واقعاً لم يتوقعه أحد؛ حيث حل "المؤتمر الشعبي العام" أولاً، وبرز طرف سياسي جديد (التجمع اليمني للإصلاح) ليحتل المركز الثاني، بينما تراجع شريك اتفاقية الوحدة الأساسي (الحزب الاشتراكي) إلى المركز الثالث.

​في النظم الديمقراطية، تُقبل النتائج لإعادة ترتيب الأوراق، لكن العقلية السياسية العربية – خاصة إذا كانت "يسارية" استفردت بالحكم لأكثر من عقدين بـ "الحديد والنار" وتحت شعار (الحزب شرف وضمير الشعب) – لم تستطع استيعاب قواعد اللعبة الجديدة. وهنا، تعقدت الحالة اليمنية بشكل دراماتيكي، وبدأت مرحلة الاصطفاف والفرز الفعلي، والاستعداد لسيناريو يعيد النظر في فكرة الوحدة من أساسها.