تعد الأحزاب السياسية الركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي، والمحرك الأول للتغيير الاجتماعي والسياسي.
وفي السياق اليمني، كانت الآمال معقودة على هذه المكونات لتكون "صوت من لا صوت له" والمعبر الحقيقي عن تطلعات الشعب.
إلا أن المتأمل في المشهد الراهن يجد فجوة سحيقة بين الشعارات النظرية والممارسة على أرض الواقع؛ فقد تحولت بعض الأحزاب من أدوات نضالية جماهيرية إلى "هياكل بيروقراطية" تمارس السياسة من وراء الحدود، في حالة من الجمود التام والغياب عن المشهد، وهو أمر يثير الكثير من الاستغراب.
فبينما يواجه المواطن اليمني تحديات وجودية وقاسية، تتمثل في انهيار العملة، وتدهور الوضع المعيشي، وتفشي الأوبئة، والانتهاكات الحقوقية المستمرة، يظل الخطاب الحزبي حبيساً لبيانات "التنديد" و"الاستنكار" الإنشائية.
هذا العجز عن تقديم حلول عملية، أو ممارسة ضغط حقيقي على مراكز القرار المحلي والدولي، أصاب الشارع اليمني بحالة من "اليتم السياسي".
وما يثير علامات الاستفهام في سلوك هذه القوى، هو استعادتها لنشاطها المفاجئ وحيويتها السياسية فقط عند بروز ملامح "تسويات" أو "تقاسم للمناصب والمحاصصة"، حيث تظهر "الوطنية" فجأة كغطاء للمطالبة بالحصص الوزارية والمكاسب الحزبية الضيقة.
وتتجلى هنا ازدواجية المعايير بوضوح؛ إذ تبرز تلك الأحزاب كمدافع شرس عن السيادة والقرار الوطني عندما تستبعد من "كعكة السلطة"، بينما تخفت هذه النبرة تماماً بمجرد ضمان تمثيل يرضي طموح قياداتها ويؤمن مصالحها.
إن بقاء هذه القيادات في الخارج لفترات طويلة أدى إلى انفصال تام عن واقع الأرض والمعاناة اليومية للمواطنين، وجعل قراراتها السياسية رهينة لتوازنات إقليمية لا تخدم بالضرورة المصلحة الوطنية العليا.
وعندما تتخلى الأحزاب عن دورها في "المغرم" أي تحمل المسؤولية ومواجهة الأزمات مع الناس وتكتفي بالبحث عن "المغنم" والمكاسب، فإنها تفقد مشروعيتها الأخلاقية والسياسية أمام الجماهير، ويتحول نشاطها من "رسالة وطنية" إلى مجرد "وظيفة نفعية".
لذا، فإن العمل السياسي اليمني لن يستقيم دون ثورة تصحيحية داخل هذه الكيانات نفسها؛ ثورة تشمل تجديد الدماء، وتجاوز القيادات التقليدية التي استهلكتها الصراعات، والعودة الصادقة إلى الداخل.
فلا يمكن ممارسة السياسة بفعالية عبر "الريموت كنترول"؛ فالتواجد بين الناس ومشاركتهم همومهم هو مصدر القوة والشرعية الوحيد.
إن المرحلة القادمة تحتم على الأحزاب تحويل برامجها من الشعارات والأيديولوجيات الكبرى، إلى خطط وبرامج ملموسة تلامس "قضايا الخبز والكرامة" وتدافع عن حقوق المواطن الأساسية.
إن استمرار الأحزاب في دور "المتفرج" أو "الباحث عن نصيب" يهدد بغيابها كلياً عن التأثير، وبروز قوى بديلة على الساحة السياسية.
فالوطن اليوم لا يحتاج إلى "ديكورات سياسية"، بل إلى مؤسسات وطنية حقيقية تتحمل مسؤوليتها في الرخاء والشدة على حد سواء؛ لأن السياسة التي لا تخدم رغيف الخبز وكرامة الإنسان هي في نهاية المطاف مجرد تجارة بالأزمات.