لم تكن نتائج تموز (يوليو) 1994 مجرد صدام عسكري مفاجئ في اليمن، بل كانت الذروة الدراماتيكية لسلسلة من الانسدادات السياسية والحسابات الاستراتيجية المتشابكة التي اشترك في صياغتها وتقاسم تبعاتها الجميع. إن تتبع جذور الأزمة اليمنية عقب الانتخابات البرلمانية لعام 1993، يفرض تجاوز السرديات التبسيطية، والغوص في تفكيك تلك اللحظة التاريخية الحرجة التي كُسرت فيها الخصوصية الوطنية لليمن، وتداخلت فيها مرارات الصراعات الداخلية مع شروط الإقليم الصارمة، ليجد البلد نفسه أمام معادلات صفرية لم تترك لأي طرف مساحة للمناورة الدبلوماسية المستقرة.
أولاً: الجغرافيا السياسية المأزومة واستحقاق حرب الخليج
ولدت الجمهورية اليمنية عام 1990 في توقيت كان العالم والمنطقة يمران فيه بمخاض عسير؛ إذ تزامنت إعلانات الوحدة السلمية مع اجتياح القوات العراقية لدولة الكويت. وجد النظام السياسي الوليد في صنعاء نفسه أمام معضلة بنيوية في علاقاته الخارجية؛ إذ كان الرئيس علي عبد الله صالح يرتبط بتحالف وثيق مع بغداد ضمن "مجلس التعاون العربي"، في حين كانت دولة الكويت تمثل الرافد التنموي والتمويلي الأبرز للبنية التحتية والمؤسسات التعليمية والصحية في اليمن بشطريه.
في تلك اللحظة التي اتسمت بالاستقطاب الحاد، حاولت صنعاء تبني موقف دبلوماسي يهدف إلى "إمساك العصا من المنتصف" عبر الدعوة إلى حل الأزمة داخل البيت العربي ورفض التدخل الأجنبي. إلا أن هذا الموقف فُسّر في أروقة مجلس الأمن والمنظومة الخليجية كغطاء سياسي وضمني للغزو. جاء الرد الإقليمي قاطعاً ومباشراً عبر تعديل القوانين المنظمة للعمالة الوافدة، ما أدى إلى ترحيل ما يقارب المليون مغترب يمني من دول الجوار، وتحديداً من المملكة العربية السعودية.
لم تكن عودة المغتربين مجرد أزمة إنسانية، بل شكلت صدمة بنيوية للاقتصاد اليمني الناشئ؛ إذ انقطعت تحويلات المغتربين التي كانت تسند الريال اليمني، وتضاعف الضغط الديموغرافي على الخدمات الشحيحة أصلاً، وارتفعت معدلات التضخم والبطالة إلى مستويات قياسية. هذا الشلل الاقتصادي والعزلة الإقليمية الخانقة نزعا شبكة الأمان المالي عن دولة الوحدة، وحولا الأزمات المعيشية اليومية للمواطنين إلى مادة خصبة للاستقطاب والتعبئة السياسية الداخلية بين شريكي الحكم.
ثانياً: زلزال أبريل 1993 وتثوير الخارطة الحزبية
جاءت الانتخابات البرلمانية في أبريل 1993 لتضع حداً لمعادلة التناصف الودي بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني. أسفرت الصناديق عن صعود "التجمع اليمني للإصلاح" كقوة برلمانية وازنة وطرف ثالث في الائتلاف الحاكم، وهو الصعود الذي أعاد رسم خارطة النفوذ في صنعاء لصالح تحالف قَبلي وديني تقليدي، مما عَمّق لدى قيادة الحزب الاشتراكي الشعور بالعزلة السياسية والتهميش التدريجي داخل مؤسسات الدولة المركزية.
أمام هذا التحول، وفي ظل موجة من الاغتيالات السياسية التي استهدفت عدداً من الكوادر الاشتراكيين في صنعاء دون كشف الجناة، اتخذ أمين عام الحزب الاشتراكي ونائب رئيس مجلس الرئاسة، علي سالم البيض، في أغسطس 1993 قراراً بمغادرة العاصمة والاعتكاف في عدن.
لم يكن اعتكاف البيض مجرد حركة احتجاجية، بل كان مناورة سياسية تهدف إلى نقل مركز الثقل السياسي خارج صنعاء. وطرح الاشتراكي في أكتوبر 1993 مصفوفة قانونية وإدارية عُرفت بـ "وثيقة النقاط الـ 18". ركزت هذه النقاط على تفكيك بنية المركزية الشديدة لصالح حكم محلي واسع الصلاحيات، إنهاء المظاهر المسلحة وتحريم الحزبية داخل الجيش، وتفعيل الأجهزة الرقابية لوقف التدهور الاقتصادي ومكافحة الفساد.
هذا الخطاب البرامجي تجاوز الحدود الشطرية السابقة وأحدث اختراقاً في الساحة الشمالية؛ إذ مالت قوى سياسية شمالية وازنة إلى أطروحات البيض. "حزب الحق" ذو الخلفية الفكرية والاجتماعية الزيدية رأى في أطروحات دولة النظام والقانون ضمانة ضد التمدد الأيديولوجي السلفي والإخواني الصاعد بضوء أخضر من السلطة. وبالمثل، التقت رؤية "اتحاد القوى الشعبية" المتأثر بالأفكار الليبرالية وحركة الدستور التاريخية مع مطالب الاشتراكي، متبنياً "الدولة الفيدرالية" كمدخل لحل الأزمة البنيوية لمركزية الحكم. وعلى المستوى الشعبي، تحركت النخب والكتل المدنية في "المناطق الوسطى" (تعز وإب) وتهامة، التي واجهت تاريخياً تهميش المركز القبلي، لتجد في خطاب البيض المعيشي والمؤسسي رافعة لتطلعاتها، مما منح جبهة عدن كسباً جماهيرياً ملحوظاً في الشارع اليمني على ضفتيه.
ثالثاً: البراغماتية الإقليمية وهندسة التحالفات
هذا التفوق السياسي والمدني الداخلي تقاطع مع تحول في العلاقات الإقليمية؛ إذ تبنت دول الخليج (باستثناء قطر) ومصر، ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية، موقفاً داعماً لرؤية علي سالم البيض والحزب الاشتراكي. يمثل هذا الاصطفاف إحدى المفارقات البراغماتية التاريخية، حيث تحول الحزب الذي قاد لعقود الخطاب الماركسي الراديكالي المناهض للأنظمة الملكية في الجزيرة العربية، إلى حليف تلتقي معه هذه الأنظمة عند مصالح مشتركة؛ تمثلت في الرغبة الإقليمية في إضعاف طموحات نظام صنعاء عقب موقفها من حرب الخليج، إضافة إلى التوجس من صعود وتغلغل تيار الإسلام السياسي وحلفائه من "الأفغان العرب" في مفاصل الدولة اليمنية.
في المقابل، لم يقف الرئيس علي عبد الله صالح وحلفاؤه في صنعاء مكتوفي الأيدي أمام هذا الحصار الدبلوماسي والمدني، واتجهت صنعاء نحو تفعيل "هندسة التحالفات" على الأرض عبر ركيزتين:
التحالف التقليدي المصلحي والعقائدي: تم دمج أجنحة القوات المسلحة الموالية للمركز مع القوى القبلية والدينية التابعة لحزب الإصلاح، وجرى شحن القواعد الشعبية بأيديولوجيا تعبوية تصوّر الصراع كمعركة للدفاع عن الشرعية والوحدة في وجه قوى الردة والانفصال.
استثمار المظالم الجنوبية البينية: نجحت صنعاء في استدعاء واستيعاب الكتلة العسكرية والسياسية الجنوبية التي أُقصيت وشُرِّدت عقب أحداث 13 يناير 1986 الدموية في الجنوب (تيار الزمرة). هذه القوات والقيادات العسكرية المحنكة، التي استقرت في الشمال وتولى بعض رجالاتها مناصب رفيعة، كانت تحمل مواقف تاريخية حادة تجاه تيار علي سالم البيض (تيار الطغمة)، ووجدت في المواجهة القادمة فرصة للعودة وتثبيت وجودها، مما جعلها تمثل رأس الحربة والقوة النوعية العارفة بجغرافيا الجنوب وتكتيكات خصمها.
رابعاً: كواليس عمان وفخ الاستدراج العسكري
تحت وطأة الضغوط الدولية والوساطات الداخلية، التقت الأطراف اليمنية في العاصمة الأردنية عمان، وجرى التوقيع على "وثيقة العهد والاتفاق" في 20 فبراير 1994 برعاية الملك الحسين بن طلال. شكلت هذه الوثيقة محطة نضج سياسي؛ حيث استوعبت مصفوفة النقاط الـ 18 وصاغت مشروعاً لدولة الأقاليم اللامركزية الحديثة.
ومع ذلك، أظهرت اللحظات التي أعقبت التوقيع انعدام الثقة العميقة والتشققات في الرؤية الاستراتيجية لإدارة الأزمة:
خطاب الإحباط الدبلوماسي: في الخطاب الذي تلا التوقيع مباشرة، ألقى علي سالم البيض كلمة اتسمت بالحدة والمشاحنة السياسية، ملمحاً إلى أن الوثيقة ليست نهاية المطاف وموجهاً انتقادات لنهج الحكم في صنعاء.
الارتداد عن المسار المتفق عليه: بدلاً من مرافقة لجنة الوساطة والعودة المشتركة إلى العاصمة صنعاء للبدء في تطبيق بنود الاتفاق، غادر البيض عمان بشكل مفاجئ نحو عواصم خليجية ثم استقر مجدداً في عدن. هذا السلوك الانتحاري أضعف من زخم "الانتصار السياسي" للوثيقة، وبدا في نظر الوسطاء الدوليين والنخب المتعاطفة في الشمال كإشارة إلى عدم جدية القيادة في عدن في خفض التصعيد والذهاب نحو الشراكة الفعلية.
هذا التراجع التكتيكي في عدن منح الرئيس علي عبد الله صالح وحلفاءه الفرصة الكاملة لالتقاط الأنفاس وإعادة توجيه دفة الشرعية السياسية. ظهرت صنعاء في مظهر الطرف الحريص المتمسك بدولة الوحدة والاتفاق الموقع، بينما بدأت على الأرض عمليات تحريك ومناوشات عسكرية متنقلة في جبهات التماس (موديه، عمران، ذمار، ) لاستدراج الطرف الآخر، ودفعه نحو مربع الصدام الشامل الذي كانت صنعاء قد استكملت كافة عناصر القوة والتفوق العددي والقبلي لحسمه.
خامساً: قرار 21 مايو ومآلات حسم القوة
مع اشتداد ضغط الآلة العسكرية واختلال موازين القوى الميدانية لصالح تحالف صنعاء، اتخذ علي سالم البيض في 21 مايو 1994 القرار الأكثر خطورة بإعلان الانفصال وقيام "جمهورية اليمن الديمقراطي".
كان هذا القرار بمثابة نقطة التحول الاستراتيجية التي أعادت صياغة موازين القوى والتعاطف الجماهيري بشكل كامل:
تصدع الحاضنة الشعبية الشمالية: الكتل الحزبية والشعبية الواسعة في الشمال والمناطق الوسطى وتهامة، التي كانت تقف مع البيض باعتباره شريكاً في مشروع التغيير الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات لكل اليمنيين، شعرت بالخذلان والطعن في تطلعاتها الوطنية. تحول البيض في نظرها—بفعل الضخ الإعلامي الكثيف لصنعاء—من مصلح وطني إلى داعية لتمزيق الكيان الجغرافي، مما دفع هذه القوى والشارع الشمالي إلى الاصطفاف التلقائي خلف سلطة صالح تحت شعار "حماية الشرعية الدستورية والوحدة".
تكامل الجهد العسكري والسياسي لصنعاء: منح إعلان الانفصال غطاءً أخلاقياً وقانونياً لتحالف صنعاء (المؤتمر، الجيش، الإصلاح، وقوات "الزمرة" الجنوبية) لتصوير زحفهم العسكري كواجب وطني لحفظ الدستور، في حين تحول الحزب الاشتراكي وقواته إلى موقع المدافع المحاصر سياسياً وجغرافياً، والمنقسم داخلياً بفعل الثارات السياسية السابقة.
انتهت المواجهة عسكرياً بدخول قوات صنعاء وحلفائها ومتطوعيها إلى مدينة عدن في 7 يوليو 1994. وبذلك الحسم، أُسدِل الستار على محاولة الخروج عن المسار الدستوري، وتأكدت الوحدة اليمنية ككيان سياسي واحد وثابت غير قابل للتجزئة أو الخضوع لأمزجة ومصالح الأطراف السياسية، لتنضم التجربة اليمنية إلى مصاف الدول العالمية الكبرى التي ثبتت وحدتها الوطنية بصلابة شعبها وجيشها كحقيقة سيادية مطلقة تفوق الخلافات السياسية العابرة.