في لحظةٍ يمكن وصفها بأنها واحدة من العلامات الفارقة في مسار محافظة أبين...
انعقد اللقاء التشاوري الأول لوجهاء ومشائخ المحافظة، بدعوة كريمة من سعادة المحافظ الدكتور مختار الرباش، تحت عنوانٍ يحمل في طياته دلالاتٍ عميقة، ويختصر ملامح المرحلة المقبلة:
"أبين أولًا: هيبةٌ تُصان، وتنميةٌ تُبنى."
لقد كان لي الشرف اليوم أن أحضر هذا اللقاء التشاوري الأول الذي لم يكن مجرد اجتماعٍ بروتوكوليٍّ عابر، ولا مناسبةً خطابية تُضاف إلى أرشيف المناسبات الرسمية....
بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي واجتماعي عن بداية طورٍ جديد، تسعى فيه أبين إلى إعادة تعريف ذاتها، وترميم علاقتها بمؤسسات الدولة، والانطلاق نحو مشروعٍ متكاملٍ يعيد إليها مكانتها وهيبتها واستقرارها.
وقد عكس الحضور الواسع، الذي ضمّ ممثلين عن مختلف مديريات المحافظة، إلى جانب المشائخ والوجهاء والشخصيات الاجتماعية وممثلي شرائح المجتمع المختلفة، حجم التوافق المجتمعي المتنامي حول ضرورة الانتقال من حالة الانتظار والتشظي إلى حالة المبادرة والشراكة وصناعة المستقبل.
لقد حمل اللقاء في مضامينه رسائل سياسية واضحة :
أبرزها أن استعادة هيبة الدولة لم تعد خيارًا قابلًا للتأجيل.
وأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تُبنى في بيئةٍ مضطربة.
وأن الشراكة المجتمعية تمثل حجر الزاوية في أي مشروع إصلاحي جاد.
وفي كلمته أمام الحاضرين، قدّم محافظ المحافظة رؤيةً اتسمت بالوضوح والحزم، واضعًا الأمن والاستقرار في مقدمة أولويات المرحلة، ومؤكدًا أن المحافظة مقبلة على مرحلة جديدة من الانضباط المؤسسي، لن يكون فيها مكانٌ للفوضى، ولا مساحةٌ لمن يسعون إلى تأجيج الفتن أو تقويض السلم المجتمعي أو العبث بأمن المواطنين.
غير أن أبرز ما ميّز اللقاء، وأضفى عليه بُعدًا تاريخيًا يتجاوز اللحظة الراهنة....
كان الإعلان عن مبادرة مجتمعية لعقد صلحٍ عام لمدة عامين في جميع قضايا الثأر داخل المحافظة؛ وهي خطوةٌ شجاعة تحمل أبعادًا إنسانية ووطنية عميقة، وتفتح الباب أمام معالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وتأثيرًا في النسيج الاجتماعي الأبيني.
وقد لقيت هذه المبادرة ترحيبًا واسعًا من الحاضرين، الذين عبّروا عن دعمهم الكامل لها، إدراكًا منهم أن التنمية لا يمكن أن تُقام فوق أرضٍ مثقلةٍ بثقافة الانتقام، وأن بناء المستقبل يبدأ بإطفاء نيران الماضي.
ومن أبرز المخرجات التي يمكن الوقوف عندها في هذا اللقاء التشاوري الأول:
إعلان توافق مجتمعي واسع على دعم جهود السلطة المحلية في استعادة هيبة الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار.
تأكيد أولوية الملف الأمني بوصفه المدخل الأساسي لأي عملية تنموية أو إصلاحية في المحافظة.
إطلاق مبادرة الصلح العام لقضايا الثأر لمدة عامين، بما يمهّد لتعزيز السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع.
تعزيز الشراكة بين السلطة المحلية والمكوّنات الاجتماعية والقبلية، باعتبارها ركيزة أساسية في صناعة القرار المحلي.
وضع ملامح أولية لخارطة طريق تنموية وإدارية جديدة تستهدف إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحريك عجلة التنمية.
إن ما شهدته أبين في هذا اللقاء لا ينبغي النظر إليه بوصفه حدثًا عابرًا، بل باعتباره مؤشرًا مهمًا على تشكّل إرادة سياسية ومجتمعية مشتركة، تدرك حجم التحديات، لكنها تؤمن كذلك بقدرة المحافظة على تجاوزها.
لقد بدت أبين في هذا المشهد، وكأنها تستعيد شيئًا من صورتها التي تستحق؛ محافظةً تتصالح مع ذاتها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتفتح نوافذها على مستقبلٍ أكثر استقرارًا واتزانًا.
إنها بدايةٌ قد لا تحلّ كل المشكلات دفعةً واحدة، لكنها بالتأكيد تضع القدم الأولى على الطريق الصحيح...
وطريق النهضة يبدأ دائمًا بخطوةٍ صادقة..
نعم أنها أبين ..
أبين اليوم التي تبدو بحُلّةٍ قشيبة، وروحٍ ندية، وأملٍ يتجدّد.