آخر تحديث :الأحد-17 مايو 2026-03:30ص

حضرموت… من هامش التمثيل إلى البحث عن مركز القرار

السبت - 16 مايو 2026 - الساعة 11:30 م
عدنان بن عفيف

بقلم: عدنان بن عفيف


لم يعد الصوت الحضرمي في السنوات الأخيرة مجرد رد فعل على الأزمات المتراكمة، بل تحوّل تدريجياً إلى مشروع وعي سياسي يبحث عن تعريف جديد لموقع حضرموت في المعادلة اليمنية والجنوبية معاً. ومع كل تطور تشهده الساحة، يتسع السؤال أكثر: هل يمكن الاستمرار في إدارة حضرموت بالعقلية القديمة نفسها، بينما تتغير موازين الواقع على الأرض بصورة متسارعة؟


الدعوات الأخيرة التي برزت حول أهمية إيجاد إطار تنسيقي حضرمي جامع، وفي مقدمتها الطرح الذي تحدث عنه محافظ حضرموت، عضو مجلس القيادة الرئاسي سالم أحمد الخنبشي بشأن تشكيل مجلس تنسيق أعلى، لم تأتِ من فراغ سياسي أو ترف تنظيمي، بل تعكس إدراكاً متنامياً بأن حضرموت لم تعد تقبل أن تبقى مجرد ساحة تتقاطع فوقها المشاريع دون أن تمتلك أدواتها الذاتية للتعبير عن مصالحها وأولوياتها.


فحضرموت ليست رقماً جغرافياً عادياً يمكن إدراجه ضمن أي معادلة سياسية جاهزة، بل كيان تاريخي يمتلك خصوصية متجذرة في تركيبته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. هذه الأرض التي عرفت التجارة والهجرة والعلم والانفتاح منذ قرون، لم تتشكل هويتها في غرف السياسة الحديثة، بل عبر تراكم حضاري طويل صنع لها شخصية مختلفة عن كثير من البيئات المحيطة.


ولهذا، فإن الإشكالية الكبرى التي واجهتها حضرموت خلال العقود الماضية لم تكن فقط في شكل السلطة، بل في طبيعة النظرة إليها. فغالباً ما جرى التعامل مع حضرموت باعتبارها مساحة نفوذ وثروة وموقع استراتيجي، أكثر من كونها شريكاً حقيقياً يمتلك حق القرار وصياغة الأولويات.


هذه الفجوة بين حجم حضرموت الحقيقي وبين مستوى تمثيلها السياسي، صنعت مع الوقت شعوراً متزايداً لدى كثير من الحضارم بأن حضرموت ظلت تدفع أثمان تحولات كبرى دون أن تمتلك التأثير الكافي في مساراتها. فمنذ عقود، كانت القرارات المصيرية تُصنع في مراكز أخرى، بينما يُطلب من حضرموت التكيّف مع النتائج فقط.


ولعل ما يميز المرحلة الراهنة أن الخطاب الحضرمي بدأ يتجاوز حدود التذمر التقليدي إلى التفكير في بناء أدوات سياسية وتنسيقية أكثر نضجاً. فالمسألة اليوم لم تعد مجرد احتجاج على التهميش، بل محاولة لتأسيس رؤية حضرمية قادرة على حماية المصالح المحلية وإدارة العلاقة مع بقية القوى من موقع الشراكة لا التبعية.


كما أن التحولات الاقتصادية والأمنية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة جعلت كثيراً من الحضارم أكثر اقتناعاً بأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى بالاعتماد على المركزيات القديمة التي أثبتت محدوديتها، سواء في إدارة الثروة أو في تحقيق الاستقرار أو حتى في تمثيل التنوع القائم داخل الجنوب واليمن عموماً.


ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي يتجاهل خصوصية حضرموت أو يحاول اختزالها داخل خطاب تعبوي موحد، سيجد نفسه عاجزاً عن فهم التحولات الحقيقية التي تجري داخل المجتمع الحضرمي اليوم. فحضرموت لم تعد تبحث فقط عن حضور رمزي في المشهد، بل عن دور فعلي يتناسب مع ثقلها التاريخي والجغرافي والاقتصادي.


وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن المرحلة المقبلة ستدفع باتجاه مزيد من النقاش حول شكل العلاقة التي يريدها الحضارم مع محيطهم السياسي، وحدود الشراكة المطلوبة، وطبيعة الكيان القادر على تمثيل تطلعاتهم بصورة أكثر توازناً واستقلالية.


فحضرموت، التي ظلت طويلاً تُقرأ بوصفها “طرفاً” في معادلات الآخرين، تحاول اليوم أن تكتب نفسها باعتبارها رقماً مستقلاً في المعادلة… لا تابعاً لها.