آخر تحديث :الإثنين-08 يونيو 2026-12:32م

قراءة تحليلية في ميثاق الشرف الابيني

الأحد - 17 مايو 2026 - الساعة 12:24 م
عبدالعزيز الحمزة


ما جرى في أبين اليوم يعتبر لحظة سياسية ومجتمعية فارقة في تاريخ المحافظة، وربما في تاريخ العلاقة بين الدولة والمجتمع في اليمن عموما.

إن قراءة ميثاق الشرف الصادر عن ملتقى مشائخ وأعيان ووجهاء قبائل أبين تكشف بوضوح أن المسألة أعمق من مجرد إعلان تأييد لمحافظ أو دعم ظرفي لإجراءات أمنية، فالنص في بنيته اللغوية والسياسية والاجتماعية يعكس محاولة جادة لإعادة بناء مفهوم الدولة من داخل المجتمع نفسه، لا بفرضها عليه من الخارج.

ومن هنا تكمن أهمية ما يقوده مختار الهيثمي الميسري، لأنه لم يتعامل مع القبيلة باعتبارها خصما للدولة أو عائقا أمامها، بل أعاد توظيف الثقل القبلي والاجتماعي ليكون سندا للدولة وحارسا للاستقرار وشريكا في التنمية. وهذه نقطة شديدة الذكاء سياسيا وإداريا، لأن أي مشروع سلطة في اليمن يتجاهل البنية الاجتماعية والقبلية محكوم عليه بالهشاشة مهما امتلك من أدوات القوة.

اللافت في هذا الملتقى أيضا أنه لم يُبنَ على خطاب القوة المجردة، بل على خطاب الشراكة والمسؤولية الجماعية. فالميثاق لم يقل إن الدولة وحدها مسؤولة، ولم يحمّل المجتمع وحده العبء، وإنما أسس لمعنى جديد قوامه: الدولة والمجتمع في خندق واحد.

وهذا التحول مهم جدا؛ لأن كثيرا من الأزمات التي عصفت باليمن خلال العقود الماضية نشأت من حالة الانفصال بين السلطة والناس، بين القرار الرسمي والوجدان الشعبي.

كما أن اختيار مفردات مثل: حماية المحافظة، المصلحة العامة، التنمية، السلام، الإصلاح القبلي، والعمل بروح الفريق الواحد، يعكس انتقال الخطاب في أبين من مربع ردّات الفعل والصراعات إلى مربع بناء المشروع الجمعي للمحافظة.

وهنا تظهر دلالة مهمة جدا:

أبين لم تعد تريد أن تُعرف فقط بوصفها ساحة صراع أو منطقة توتر، بل تسعى و عبر هذا الملتقى إلى إعادة تعريف نفسها كمحافظة قادرة على إنتاج نموذج وطني في التماسك المجتمعي والشراكة مع الدولة.

وهذا بحد ذاته تحول عميق.

فالقبائل التي كانت تُستدعى أحيانا عند الأزمات فقط، أصبحت اليوم شريكا في صياغة الأمن والتنمية والاستقرار.

والمشائخ والأعيان لم يُطلب منهم مجرد التهدئة، بل جرى استدعاؤهم كشركاء في مشروع استعادة هيبة الدولة وحماية المجتمع.

ومن يقرأ البيان بتمعن سيلاحظ أن الأمن فيه لم يُطرح كفكرة أمنية ضيقة مرتبطة بالسلاح والنقاط والحملات فقط، بل طُرح بوصفه بيئة لازمة للتنمية والاستثمار والخدمات والحياة الكريمة.

وهذا فهم متقدم جدا لمعنى الاستقرار الحقيقي.

فلا تنمية بلا أمن. ولا أمن بلا عدالة مجتمعية. ولا دولة بلا غطاء اجتماعي حقيقي.

كما أن الإشارة الواضحة لدعم المشاريع الاستثمارية والتنموية تحمل رسالة سياسية واقتصادية مهمة، مفادها أن أبين تريد أن تنتقل من حالة الاستنزاف إلى حالة البناء، ومن موقع المتلقي للأزمات إلى موقع صناعة الفرص.

أما على المستوى القيادي، فإن الملتقى كشف حجم الحضور الذي بات يمتلكه سيادة المحافظ الدكتور مختار الهيثمي داخل الوعي المجتمعي في أبين.

فالاجتماع بهذا الحجم، وبهذا التنوع القبلي والاجتماعي، وفي هذه المرحلة الحساسة، لا يحدث بالمصادفة، ولا تصنعه السلطة الإدارية وحدها، بل تصنعه الثقة.

والثقة في البيئات القبلية لا تُمنح بسهولة، بل تُنتزع بالفعل والموقف والصدق والقدرة على الجمع بين الحزم والاحترام.

ولذلك فإن أهم ما يمكن قراءته في هذا المشهد هو أن المحافظ لم يتحرك بوصفه مسؤولا إداريا فقط، بل كقائد مشروع يحاول إعادة ترميم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة بناء الروح المعنوية للمحافظة بعد سنوات طويلة من التحديات والتجاذبات.

كما أن انعقاد هذا الملتقى بحد ذاته يبعث برسالة تتجاوز أبين إلى اليمن كلها:

أن استعادة الدولة لا تبدأ فقط من المؤسسات، بل تبدأ أيضا من استعادة التوافق المجتمعي حول فكرة الدولة.

ولهذا فإن ميثاق الشرف ليس مجرد وثيقة توقيع، بل محاولة لإنتاج عقد اجتماعي محلي جديد، قاعدته:

نبذ الفوضى

حماية المجتمع

دعم الدولة

والانتصار للتنمية والاستقرار.

إن أبين اليوم لا تقدم مجرد حدث عابر، بل تقدم إشارة إلى أن المحافظات القادرة على توحيد مجتمعها حول مشروع استقرار وتنمية، هي الأقدر على صناعة المستقبل.

ولهذا يمكن القول إن ما جرى هو بداية انتقال أبين من إدارة الأزمات إلى بناء المشروع.

وهي خطوة، إذا استمرت بنفس الجدية والمتابعة، فقد تتحول إلى واحدة من أهم التجارب المحلية الناجحة في اليمن خلال هذه المرحلة المعقدة.

كلنا أبين…

هيبةٌ تُصان، وتنميةٌ تُبنى.

،،،،،،،،،،،،،،،،،

✍️ عبدالعزيز الحمزة

السبت ١٦ مايو ٢٠٢٦م