لم تكن القبيلة يومًا بديلًا عن الدولة الحديثة؛ لأن الدولة تقوم على مبدأ المواطنة وسيادة القانون، بينما القبيلة رابطةٌ اجتماعية تحفظ التماسك والهوية، لا مؤسسةَ حكمٍ أو تشريع. ولهذا تؤكد دراسات علم الاجتماع السياسي أن المجتمعات التقليدية تلجأ إلى القبيلة حين تغيب الدولة العادلة، لا لأنها أرقى من الدولة، بل لأنها تسدّ فراغها.
ولم تكن القبيلة في أي نظام دستوري أداةً من أدوات الدولة؛ لأن القبيلي، في كل زمان ومكان، يتمثل قول الشاعر:
لا نا قبيلي حد ولا حد دولتي ** دولتي من ملا كفي قروش
فاستعانة الدولة بالقبيلة يكون ذلك مقابل التنازل عن جزءٍ من سلطتها، فتشجع الزعامات القبلية على مقايضة السلطة؛ فإن أُعطوا سكتوا، وإن مُنعوا شجعوا على الفوضى، أو ــ في أحسن الأحوال ــ غضّوا الطرف باعتبار أن ذلك ليس من اختصاصهم.
وقد ميّز عالم الاجتماع الأمريكي ماكس فيبر بين الدولة الحديثة التي تحتكر “العنف المشروع” عبر القانون والمؤسسات، وبين البنى التقليدية التي تنشأ فيها الولاءات الأولية كالقبيلة والطائفة والعائلة. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة، عادت العصبيات القديمة لتملأ الفراغ. ولهذا رأى أميل دوركايم أن المجتمعات التقليدية تقوم على “التضامن الآلي” المرتبط بالقرابة والانتماء، بينما تقوم الدولة الحديثة على “التضامن العضوي” القائم على المواطنة وتقسيم العمل والمؤسسات.
وفي اليمن، شهدت القبيلة اليمنية تحولًا تاريخيًا مع صعود المذهب الزيدي فحول الأئمة القبيلة اليمنية من قبيلة مستقرة منتجة إلى قبيلة محاربة فكانوا يستخدمون القبائل الموالية لهم ضد خصومهم مقابل إطلاق يدها على ممتلكات خصومهم،فسنوا سنة توظيف القبائل في الحروب والصراعات مقابل النفوذ والمغانم، مع ترك هامشا خارج سلطة الدولة. ثم أعادت الأنظمة الحديثة إنتاج العلاقة نفسها؛ فبعض شيوخ القبائل لم يُدمجوا في مشروع الدولة، بل جرى استرضاؤهم بالمصالح، حتى أصبحت العلاقة بين السلطة والقبيلة قائمةً على المقايضة أكثر من قيامها على المواطنة.
وتؤكد التجارب العالمية هذه الحقيقة؛ فدولٌ مثل كوريا الجنوبية، واليابان لم تُلغِ الروابط التقليدية، لكنها أخضعتها للقانون، فصار الولاء النهائي للدولة لا للعصبية. بينما عانت مجتمعاتٌ أخرى من الحروب والانقسامات حين بقيت القبيلة أو الطائفة أقوى من مؤسسات الدولة.
ويذهب ابن خلدون، في حديثه عن “العصبية”، إلى أن الجماعات القبلية تكون ضرورية في مراحل التأسيس الأولى، لكنها تتحول إلى عائق أمام العمران والاستقرار إذا بقي الولاء لها أعلى من الولاء للدولة، فالدولة الحديثة لا تُبنى بالاصطفاف القبلي والولاءات الضيقة، بل بالعدالة، وبسط سلطة الدولة، وتطوير المؤسسات التعليمية والثقافية والتنموية؛ لإعادة تأهيل القبيلة كمكوّنٍ اجتماعي كبقية المكونات القروية والمدنية، لا ندًّا للدولة.
لذلك، فالمشكلة ليست في وجود القبيلة بوصفها مكوّنًا اجتماعيًّا وثقافيًّا، بل في تحويلها إلى سلطةٍ فوق القانون. فالناس لا يلجؤون إلى القبيلة لأنهم يرفضون الدولة، بل لأنهم كثيرًا ما يفقدون الثقة بعدالتها. وحين يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن حقوقه مصونة دون وساطة شيخٍ أو نفوذ قبيلة،وسيصبح القانون ملاذًا للجميع .