آخر تحديث :الإثنين-15 يونيو 2026-09:31ص

الحرب والحقيقة الغائبة: من يحدد الأهداف..ولماذا تُوجَّه أصابع الاتهام للسعودية دون غيرها؟

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 10:13 ص
عارف ناجي علي


في الآونة الأخيرة تصاعدت على منصات التواصل الاجتماعي موجة من المنشورات التي تتناول ما تعرضت له البنية التحتية في العاصمة عدن من دمار، شمل منشآت خدمية وتجارية من فنادق ومراكز تجارية إلى محطات كهرباء وخزانات مياه.


وقد اتجهت بعض هذه الطروحات إلى تحميل الأشقاء في المملكة العربية السعودية المسؤولية المباشرة، بل وربط ذلك بخلافات سياسية مع أطراف محلية.


ومع تفهّم حالة الغضب الشعبي واختلافنا مع بعض السياسات إلا أن اختزال المشهد بهذه الصورة يفتقر إلى الدقة ويستدعي وقفة جادة لإعادة قراءة ما حدث بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الانفعال.


الحرب في اليمن لم تكن نتاج قرار منفرد بل جاءت ضمن عمليات عسكرية معقدة شارك فيها التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات ودول عربية إلى جانب قوى عسكرية يمنية متعددة جميعها عملت ضمن غرف عمليات مشتركة وتنسيق ميداني واستخباراتي وهذا يعني أن تحديد الأهداف لم يكن قرارا أحاديا بل نتيجة تفاعل بين أطراف عدة لكل منها دور وتأثير.


صحيح أن هناك تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاهلها:

لماذا استُهدفت بعض المنشآت المدنية دون غيرها؟

ولماذا طالت الضربات مرافق خدمية كالكهرباء والمياه؟ وهل كانت تلك الأهداف دقيقة أم نتيجة معلومات خاطئة أو مضللة؟ لكن ورغم أهمية هذه الأسئلة يبقى السؤال الأعمق والأكثر حساسية: من كان يزوّد غرفة العمليات بالإحداثيات؟


في الحروب الحديثة لا تعتمد الضربات الجوية على الرصد العشوائي بل على معلومات استخباراتية دقيقة تأتي في الغالب من الأرض وهنا تبرز إشكالية خطيرة:

هل كانت هناك أطراف محلية قدّمت إحداثيات غير دقيقة أو مضللة؟

هل استُغلت الحرب لتصفية حسابات سياسية أو مناطقية او تنافس تجاري ؟

وهل كانت هناك أجندات خاصة لبعض القوى ساهمت في توجيه الضربات نحو أهداف لا علاقة لها بالعمليات العسكرية المباشرة؟


إن التركيز على طرف خارجي واحد وتجاهل بقية الأطراف المشاركة لا يُسهم في كشف الحقيقة بل قد يطمسها فالمسؤولية في مثل هذه الحروب غالبا ما تكون مركّبة تتوزع بين من يضغط الزناد ومن يحدد الهدف ومن يقدّم المعلومة.


لقد دمرت الحرب كل شيء تقريبًا ولم تترك بيتًا إلا ومرّ عليه أثرها، لكنها في الوقت ذاته كشفت خللًا عميقًا في منظومة القرار وغيابًا واضحًا للمساءلة وتداخلًا خطيرًا في المصالح.


ومن هنا، فإن المرحلة القادمة يجب أن تُبنى على مبدأ لا يقبل التجزئة: المساءلة الشاملة..لا الانتقائية.

فلا يمكن بناء دولة ولا استعادة ثقة المواطن دون كشف الحقيقة كاملة بما فيها دور الأطراف المحلية قبل الإقليمية ودور من كانوا على الأرض قبل من كانوا في السماء.


إن العدالة لا تتحقق بتوجيه الاتهام لطرف واحد بل بفتح كل الملفات ومحاسبة كل من ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في استهداف البنية التحتية أو في تضليل القرار العسكري.


وفي النهاية قد تختلف المواقف السياسية لكن لا ينبغي أن تختلف معايير الحقيقة فالحقيقة وحدها هي الطريق نحو الإنصاف ونحو عدم تكرار المأساة.