آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-05:19م

اختراق في قلب عدن

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 04:29 م
علي المحروق


​الحقائق الصادمة لا تأتي دائماً من جبهات القتال، بل تولد أحياناً من تفاصيل عابرة تحمل في طياتها ملامح كارثة فكرية مؤجلة. هذا تماماً ما عشته قبل عام في أحد مساجد مديرية المنصورة بالعاصمة المؤقتة عدن؛ مشهد لم يكن عادياً، بل كان صفعة حقيقية على وجه الطمأنينة الزائفة.

​عقب انقضاء صلاة الظهر، رنّ هاتف شاب في الثلاثين من عمره كان يصلي بجواري. وحين رفعه، لمحت عيناي بوضوح ملامح "عبدالملك الحوثي" تتصدر شاشته. ارتبك الشاب، وحاول مواراتهُ للهاتف سريعاً، لكنه التفت إليّ للحظات خاطفة، لينطق بعبارة تختزل مأساة الوعي المغيب: "هذا هو الذي رفع رأسنا أمام العالم"، ثم مضى في حال سبيله.

​هذا الموقف ليس مجرد سلوك طائش لفرد، بل هو مؤشر خطير على اختراق ناعم وممنهج لوعي البسطاء، وتسلل خبيث لأيديولوجيا الميليشيا إلى مناطق ظننا أنها تحررت كلياً من دنسها العسكري. إنها الحقيقة العارية التي لا يمكن لأحد إنكارها: المعركة الفكرية تُربح في الخفاء بينما نحن غارقون في جمودنا وسكوننا.

​الانتهازية الفجة: المتاجرة بالقضايا العادلة لغسيل الجرائم

​إن بقاء الجماعة الحوثية واستمرار مشروعها يمثل تهديداً وجودياً قاطعاً لاليمن ككل. وإذا لم يستشعر الجميع فداحة هذا الخطر على المدى القريب، فإنه سينفجر حتماً على المدى البعيد كقنبلة موقوتة تنسف الهوية والنسيج الاجتماعي اليمني.

​تتحرك هذه الميليشيا بانتهازية فجة؛ إذ وجدت في مأساة غزة، وفي الصراعات الإقليمية لإيران، غطاءً مثالياً لممارسة "غسيل السمعة". إنهم يتاجرون بعواطف الناس ومشاعرهم القومية والدينية، ليوهموا البسطاء بأنهم حماة الحمى، بينما الحقيقة الدامية تكشف أنهم ليسوا سوى أداة تدمير لم تذق اليمن من ورائها سوى الويلات والفقر والدمار. إنها متاجرة رخيصة بدماء الأبرياء لتثبيت نفوذ طائفي وسلالي في الداخل اليمني، وكسب شعبية زنيفة على حساب جراح الأمة.

​استئصال السرطان: معركة بقاء لا تقبل الرمادية

​الحوثية ليست خصماً سياسياً يمكن مهادنته أو التوصل معه إلى "تسوية تاريخية"، بل هي سرطان خبيث ينهش جسد الوطن ويستهدف تجريف وعي الأجيال القادمة. الرهان على عامل الوقت دون تحرك رادع هو انتحار حقيقي، لأن كل يوم يمر يمنح الميليشيا فرصة إضافية لتفخيخ عقول الشباب بأفكار مستوردة وغريبة عن قيمنا وهويتنا.

​لذا، فإن الخطاب هنا يتجاوز مناشدات القلق؛ إنها دعوة ملحة ومصيرية موجهة لـ مجلس القيادة الرئاسي وللأشقاء في التحالف العربي:

​أولاً: لابد من مغادرة مربع الانتظار، والتحرك الفوري نحو حسم عسكري وسياسي شامل يقطع دابر هذا المشروع من جذوره وينهي وجوده.

​ثانياً: إطلاق ثورة فكرية وإعلامية مضادة وحازمة، تُحصّن عقول المواطنين وتفضح زيف الشعارات والشعبية الوهمية التي تحاول الميليشيا بناءها على حساب جراح الداخل.

​الخلاص من هذا السرطان الخبيث لم يعد خياراً تكتيكياً، بل هو معركة بقاء ووجود. إما أن نتحرك بصلامة وقوة اليوم لاستعادة الدولة والهوية، أو أننا سنصحوا غداً على واقع مشوه دفعنا ثمن التراخي فيه من مستقبل أبنائنا.