ليست العظمة أن يصفّق لك الأقوياء، بل أن تفتح لك قلوب الضعفاء أبوابها دون خوف.
وليست القيادة أن تُهاب فقط، بل أن تُحبّ، وحين تنحني لقلوب المنسيّين
وهذه المعادلة النادرة، التي قلّ أن تجتمع في رجلٍ واحد، هي ما يصنع اليوم الفارق في شخصية الدكتور مختار الهيثمي، محافظ محافظة أبين؛ ذلك الرجل الذي لم يتعامل مع السلطة بوصفها وجاهةً أو نفوذًا، بل باعتبارها أمانةً ثقيلة، وعبادةً لله، ومسؤوليةً أخلاقية تجاه الناس جميعًا، أقويائهم وضعفائهم.
بالأمس، كان المحافظ بين المشائخ والأعيان والوجهاء، أولئك الذين تمثل كلمتهم ثقلاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً في أبين. لم يذهب إليهم ليستعرض سلطته، بل ذهب بعقل الدولة وقلبها معًا، فاحتواهم، واحترم مكانتهم، وكسب تأييدهم لمشروع استعادة هيبة الدولة وتحسين الأداء العام. أدرك أن الأوطان لا تُبنى بالصدام مع المجتمع، بل بالشراكة معه، وأن الدولة القوية ليست التي تُخيف الناس، بل التي تجعلهم يقفون خلفها اقتناعًا ومحبةً وإيمانًا بمشروعها.
لكن المشهد الأكثر إدهاشًا لم يكن هناك.
المشهد الأعظم كان حين ترك الرجل مجالس الأقوياء، واتجه بقلبه إلى الفئة التي طالما بقيت على هامش الاهتمام؛ إلى أطفال مدرسة الأمل للصم والبكم في محافظة أبين. هناك لم يدخل المحافظ بصفته مسؤولًا رفيعًا، بل دخل بصفته إنسانًا امتلأ قلبه رحمةً، ورجلًا عرف أن الله لا ينظر إلى المناصب، بل إلى مقدار الرحمة التي نحملها لعباده.
دخل إليهم وكأنما يعرفهم منذ سنوات.
لم يكن بينهم مسؤولٌ متكلّف، ولا محافظٌ تحيطه الحواجز، بل أبٌ كبيرٌ جاء ليقول لهؤلاء الأطفال: أنتم مرئيّون… أنتم مهمّون… أنتم لستم وحدكم.
يا الله… كم كان المشهد مهيبًا وموجعًا وجميلًا في آنٍ واحد.
أطفالٌ حُرموا طويلًا من الاهتمام، وتجرّعوا مرارة التهميش والتنمر والنسيان، يقفون اليوم أمام محافظ المحافظة يتحدثون بلغة الإشارة، فيما المعلمون يترجمون أحلامهم وآلامهم واحتياجاتهم، والرجل ينصت إليهم بكل جوارحه، وكأن تلك الإشارات كانت تصل مباشرة إلى قلبه دون ترجمة.
لم يكن ينظر إليهم بعين الشفقة، بل بعين الكرامة.
وحين قال لهم:
“لن تُظلموا بعد اليوم… وأنا أبوكم وأخوكم، وكل احتياجاتكم مسؤولية في عنقي”،
لم تكن مجرد كلمات عابرة تُقال أمام الكاميرات، بل كانت نبرة رجلٍ صادق اهتزّ قلبه لوجعهم، فأراد أن يطمئنهم أن زمن التجاهل قد انتهى.
ثم جاءت اللحظة التي كسرت القلوب من شدّة جمالها…
حين أعلن المحافظ عن إكرامية عيد لكل طالب وطالبة، ولكل معلم ومعلمة، ولكل عامل في المدرسة.
هنا تغيّر المشهد كله.
ارتفعت الابتسامات على الوجوه الصغيرة كأنها أزهارٌ فُتحت فجأة بعد موسمٍ طويل من الجفاف.
وامتلأت العيون بدموعٍ لم تكن دموع مال، بل دموع شعورٍ بالإنصاف بعد سنوات من الإهمال.
كان الأطفال ينظرون إليه بدهشة بريئة، كأنهم يسألون في صمت:
هل حقًا يوجد مسؤول يشعر بنا إلى هذا الحد؟
أما الحاضرون، فقد رأوا بأعينهم كيف يمكن لكلمةٍ طيبة، ولمسة رحيمة، واهتمام صادق، أن تعيد الحياة إلى قلوب أنهكها الشعور بالنسيان.
لكن مختار الهيثمي لم يكتفِ بأن يجبر خواطرهم في يوم احتفال، بل أراد أن يفتح لهم بابًا من الفرح سيظل حيًّا في ذاكرتهم العمر كله.
فحين طلب مدير المدرسة الأستاذ محمد عبدالله اليافعي أن تتحقق أمنية الطلاب والمعلمين بزيارة بيت الله الحرام وأداء العمرة، لم يتردد المحافظ، ولم يؤجل، ولم يُغلق الباب بوعود المسؤولين المعتادة، بل التزم أمام الجميع بأن يتكفل بتفويج الطلاب والمعلمين والعاملين إلى العمرة على نفقته الخاصة، على دفعات بعد عيد الأضحى المبارك.
يا لهذا القلب…
أيُّ مسؤولٍ هذا الذي لا يكتفي بإدارة شؤون الناس، بل يحمل أحلامهم الصغيرة في قلبه؟
وأيُّ رحمةٍ هذه التي جعلته يرى في أمنية هؤلاء البسطاء قضية تستحق أن تُحقق؟
لقد شعر أولئك الأطفال، أن الحياة لم تعد مغلقة في وجوههم، وأن هناك من يريد أن يمنحهم حق الفرح، وحق الكرامة، وحق أن يقفوا أمام الكعبة كما يقف سائر الناس، بلا شعور بالنقص أو التهميش.
وهنا تتجلّى عظمة مختار الهيثمي الحقيقية.
فالرجل الذي استطاع أن يكسب تأييد الأقوياء، لم تغره قوة الأقوياء عن سماع أنين الضعفاء.
والقائد الذي وقف بالأمس تتكئ عليه القبائل والمشائخ، وقف اليوم يتكئ عليه الأطفال المنسيّون وذوو الاحتياجات الخاصة.
وهذه ليست سياسة… هذه أخلاق.
وليست براعة إدارة فقط… بل نور إيمانٍ ومعرفةٍ بحق الله وحق الناس.
إن المجتمعات لا تتماسك بالقوة وحدها، بل بالرحمة.
ولا تنهض الدول بالخطب والشعارات، بل حين يشعر أضعف مواطن فيها أن الدولة تراه وتحفظ كرامته.
وحين يصبح القوي سندًا للدولة، ويصبح المحافظ سندًا للضعفاء، تنشأ المعادلة التي لا تُهزم:
دولة العدل، ودولة الرحمة، ودولة الإنسان.
جبر الله خاطرك يا مختار الهيثمي، كما جبرت خواطر هؤلاء الأطفال.
جبر الله قلبك كما أفرحت قلوبًا اعتادت الصمت والحرمان.
فليس كل مسؤولٍ يملك سلطة يملك قلبًا،
وليس كل من جلس على كرسي الحكم عرف كيف ينحني ليُمسك بيد طفلٍ مكسور الخاطر ويقول له:
“أنت لست وحدك.”
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦م