آخر تحديث :الثلاثاء-19 مايو 2026-03:06م

من حزب الإصلاح إلى أحزاب السلفية .. أبين مع اليمن اولا وليست مع الأحزاب والمذاهب

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - الساعة 12:27 م
د. هزم أحمد

في كل مرحلة تمر بها اليمن، تظهر محاولات لإعادة إنتاج الهيمنة الحزبية بأسماء مختلفة وشعارات متعددة، لكن النتيجة تكاد تكون واحدة: تقديم الولاء الحزبي أو المذهبي على حساب الدولة الوطنية، والدستور، ومفهوم المواطنة المتساوية. وفي محافظة أبين تحديدًا، التي دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها وأبنائها، بات من الضروري طرح السؤال بوضوح: هل المشكلة في الأسماء أم في العقلية التي تحكم هذه التيارات؟

خلال العقود الماضية، كان التجمع اليمني للإصلاح أحد أبرز التيارات الحزبية حضورًا في المشهد اليمني. وقد أظهرت التجربة السياسية أن الإشكالية لم تكن فقط في الأداء الإداري أو السياسي، بل في طريقة النظر إلى الدولة نفسها. فحين يصبح الدستور والقانون صالحين فقط عندما يخدمان الحزب، وتسقط قيم المواطنة حين تتعارض مع الولاء التنظيمي، تتحول الدولة إلى مجرد أداة بيد الجماعة، لا إطار جامع لكل المواطنين.

هذه الأزمة لم تعد حكرًا على تيار بعينه. فاليوم، ومع صعود بعض القيادات السلفية إلى مواقع أمنية ومدنية وعسكرية في جنوب اليمن، يبرز تساؤل مشروع: هل التيارات السلفية تمتلك بالفعل تصورًا وطنيًا حديثًا للدولة يختلف عن تجربة الإصلاح؟ أم أننا أمام نسخة أخرى من الحزبية، ولكن بغطاء مذهبي؟

الحقيقة أن التجربة التاريخية للسلفية في جنوب اليمن، رغم حداثتها النسبية مقارنة بتيارات أخرى، كشفت عن واقع معقد. فقد برز حضورها بشكل واسع بعد الوحدة اليمنية عام 1990، ثم توسع نفوذها لاحقًا عبر العمل الدعوي والمذهبي، وصولًا إلى المشاركة في المقاومة والعمل العسكري والأمني. لكن الخلافات التي ظهرت داخل التيار السلفي نفسه، والانقسامات الحادة بين مدارسه ومرجعياته، أثبتت أن السلفيين ليسوا كتلة واحدة، بل تيارات متعددة تتنازع وتختلف وتتصارع أحيانًا، وفق اجتهادات فقهية ورؤى تنظيمية متباينة.

وهنا تتضح المفارقة: إذا كان الإصلاح يمثل حزبًا واحدًا بمرجعية سياسية وتنظيمية محددة، فإن السلفية تحولت عمليًا إلى عدة “أحزاب مذهبية” وإن لم تحمل هذا الاسم رسميًا. والنتيجة في الحالتين واحدة عندما يغيب المفهوم الوطني الجامع: تراجع فكرة الدولة لصالح الجماعة.

إن أخطر ما يواجه أي دولة ليس مجرد التنافس السياسي، بل وجود قناعات داخلية تعتبر أن الدستور والقوانين المدنية “قوانين وضعية” لا تستحق الاحترام الكامل إلا بقدر توافقها مع الرؤية الحزبية أو المذهبية. هنا تبدأ الانتقائية في تنفيذ التعليمات، ويتحول الولاء للوطن إلى ولاء مشروط، وتصبح مؤسسات الدولة ساحة نفوذ فكري لا أجهزة تخدم جميع المواطنين بالتساوي.

ولعل التجربة المصرية تقدم مثالًا مهمًا في هذا السياق. فبعد سنوات من صعود تيارات الإسلام السياسي، اتجهت الدولة وقياده التاريخيه بان من جمال عبد الناصر رحم الله الى أنور السادات الى حسني مبارك الى فخامه رئيس عبد الفتاح السيسي والمؤسسه السياسيه والامنيه والعسكريه والنخبويه في مصر إلى إعادة ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية باعتبارها فوق التنظيمات والأحزاب والأيديولوجيات، وأن الجيش والقضاء والإدارة والقانون مؤسسات وطنية لا يجوز إخضاعها لمرجعيات حزبية أو دينية ضيقة. لقد أدركت الدولة المصرية أن بقاء الأوطان لا يتحقق بسيطرة الجماعات، بل ببناء مفهوم المواطنة الذي يساوي بين الجميع تحت سقف الدستور.

وفي اليمن، لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا استمرت بعض التيارات السياسية أو الدينية في النظر إلى مؤسسات الدولة باعتبارها غنيمة أو امتدادًا فكريًا لمشروعها الخاص. فالمحافظات، والمديريات، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات العسكرية، والقضاء، ليست ساحات اختبار للعقائد الحزبية والمذهبية، بل مؤسسات يفترض أن تخضع للدستور والقانون وحدهما.

إن أبين، بتاريخها الوطني ونضالها وتضحياتها، أكبر من أن تُختزل في حزب أو جماعة أو تيار مذهبي. أبين كانت دائمًا مع اليمن، مع الدولة، مع الإنسان البسيط الذي يريد الأمن والعدالة والخدمات والاستقرار، لا مع صراعات التنظيمات ومحاولات الاستحواذ على القرار المحلي والوطني.

ولهذا، فإن أي محاولة للدفع بقيادات حزبية أو مذهبية إلى واجهة الدولة، دون إعادة تأهيل حقيقي في مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، ستعيد إنتاج الأزمات نفسها ولو تغيرت الشعارات. فالقائد الذي لا يؤمن بالدستور إيمانًا كاملًا، ولا يرى القانون مرجعية فوق الجميع، سيظل يتعامل مع الدولة بعقلية الجماعة، مهما كان انتماؤه.

اليمن اليوم لا تحتاج إلى استبدال حزبية بحزبية أخرى ولا إلى نقل النفوذ من تيار إلى تيار، بل تحتاج إلى مشروع وطني حقيقي يعيد الاعتبار لمعنى الجمهورية، والدستور، والمواطنة، ويضع الوطن فوق الأحزاب، واليمن فوق الجميع.


بقلم. د. هزم احمد*

دكتوراة مع مرتبة الشرف من جامعة الأزهر ..