آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-05:52م

حين تُهان المعلّمة… من يحرس ما تبقّى من هيبة الوطن؟

الأربعاء - 20 مايو 2026 - الساعة 07:52 ص
د. سعيد سالم الحرباجي


ليست الحادثة التي شهدتها إحدى مدارس مدينة عدن، حين امتدت يدُ بلطجةٍ غاشمة إلى بعض المعلّمات داخل حرم المدرسة، مجرّد اعتداءٍ جنائيٍّ عابرٍ يُحال إلى محضرٍ في قسم شرطة، ثم يُطوى مع الوقت في أرشيف

النسيان....

بل هي في حقيقتها، واقعةٌ سياسيةٌ واجتماعيةٌ وأخلاقيةٌ بامتياز، لأنها تكشف بوضوحٍ موجع مقدار التآكل الذي أصاب منظومة القيم، وحجم الانحدار الذي بلغته هيبة الدولة، حين يصبح المعلّم—ذلك الذي يُفترض أن يكون مصونًا في مقامه، محفوظًا في كرامته—هدفًا لاعتداءٍ سافرٍ على مرأى من الجميع.

إنّ الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من ثروات، ولا بما ترفعه من شعارات.....

بل تُقاس أولًا بمقدار احترامها لمن يصنعون وعيها ويؤسسون مستقبلها....

والمعلّم: في كل الحضارات الحيّة، ليس موظفًا على هامش الدولة، بل هو أحد أعمدتها الكبرى؛ هو الحارس الصامت لعقل الأمة، والباني الذي يضع حجارة الغد في عقول الأطفال قبل أن تُشاد الأبراج في المدن.

وحين تُهان المعلّمة داخل المدرسة، فإن الذي يُصفع في الحقيقة ليس شخصًا بعينه، بل تُصفع هيبة التعليم، ويُهان مقام المعرفة، ويُداس على ما تبقّى من قداسةٍ للمؤسسات التي ينبغي أن تبقى بمنأى عن الفوضى والعنف والابتذال.

ما الذي يعنيه أن يقتحم أحد البلاطجة حرمة مدرسة، ثم يتجرأ على الاعتداء على معلّماتٍ أمام الطالبات؟

إنه يعني ببساطةٍ مرعبة، أن بعض الناس لم يعودوا يرون في المدرسة حرمة، ولا في المعلّم مقامًا، ولا في القانون سلطانًا.

إنه يعني في بُعده السياسي الأعمق أن سلطة الدولة تتراجع كلما تمددت سلطة البلطجة، وأن المجتمع يبدأ في السقوط حين يصبح الصوت الأعلى ليس لصاحب الحق، بل لصاحب اليد الأقوى.

البلطجة ليست مجرد سلوك فردي؛ إنها ثمرة بيئةٍ اختل فيها ميزان الردع، وتراجع فيها حضور القانون، وتآكلت فيها التربية المدنية حتى صار بعض الناس يظنون أن الصراخ قوة، وأن العدوان بطولة، وأن انتهاك حرمة المدرسة شأنٌ يمكن أن يمرّ بلا حساب.

لكن الأخطر من فعل المعتدي نفسه، هو صمت المجتمع إذا اختار أن يتعامل مع الجريمة بوصفها حادثةً عابرة.

الصمت هنا ليس حيادًا ...بل هو تواطؤ.

لأن الاعتداء على المعلّمة ليس قضية تخصّ أسرة التعليم وحدها، بل قضية وطنٍ كامل.

فمن يجرؤ اليوم على إذلال المعلّم، سيجرؤ غدًا على إذلال القانون، وبعد غدٍ على إذلال المجتمع بأسره.

لقد علّمتنا الأمم المتقدمة أن احترام المعلّم ليس مجاملةً أخلاقية، بل ضرورةٌ استراتيجية.

في اليابان، وفي غيرها من الأمم التي نهضت من تحت الركام، بدأ البناء من المدرسة، ومن إعادة الاعتبار للمعلم، بوصفه صانع الإنسان.

أما نحن، فإذا كنّا نسمح بإهانته، ثم نتساءل لماذا يتراجع الوعي، ولماذا يتصدّع المجتمع، فإننا نكون كمن يهدم الأساس بيده، ثم يلوم الجدران لأنها تميل.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد بيان استنكار، ولا تضامن عابر على صفحات التواصل، بل موقفٌ رسميٌّ صارم، تُستعاد به هيبة المدرسة، وتُصان به كرامة المعلّمات، ويُقدَّم المعتدي إلى عدالةٍ لا تعرف المجاملة ولا تخضع لنفوذٍ أو وساطة.

كما أن الواجب يفرض على الأسرة التربوية، وعلى النقابات، وعلى كل صوتٍ مسؤول، أن ترفع موقفًا واضحًا: كرامة المعلّم ليست محلّ تفاوض.

فالمدرسة التي لا يشعر فيها المعلّم بالأمان، لا يمكن أن تُخرّج جيلاً يشعر بالانتماء.

والوطن الذي يُهان فيه أهل التعليم، يكتب بيده شهادة تأجيل نهضته.

إن الدفاع عن المعلّم اليوم، ليس دفاعًا عن فردٍ أو وظيفة .

إنه دفاعٌ عن فكرة الدولة نفسها، وعن ما تبقّى من احترامٍ للعلم، وعن حقّ أبنائنا في أن يتعلّموا داخل فضاءٍ تحكمه الكرامة لا الخوف.

فحين تُهان المعلّمة، لا تُجرح امرأةٌ فقط… بل يُجرح وطن.