د/ عارف محمد عباد السقاف
استاذ اقتصاد الأعمال المشارك.
عند تحليل قرار رفع سعر الصرف الجمركي من 750 إلى 1560 ريال، يجب الانطلاق من نقطة أساسية:
المواد الغذائية الأساسية خارج نطاق هذا القرار، أي أن الجمارك عليها إما صفر أو لم تتغير. وهذه نقطة مفصلية تغير كثيرا من شكل الأثر المتوقع مقارنة بما يتصوره البعض.
لكن رغم ذلك، فإن الواقع لا يتوقف عند ذلك، بل يتشكل من سلوك السوق، وهو ما يستدعي قراءة و فهم أعمق.
أولا: أمثلة عملية توضح الأثر الحقيقي لرفع صرف الدولار الجمركي:
مثال (1): مواد غذائية أساسية (أرز، سكر، دقيق)
الجمارك: صفر أو ثابتة
التغيير الجمركي: لا يوجد
بالتالي:
لا يوجد أي مبرر مباشر لرفع الأسعار، لكن في السوق:
قد ترتفع الأسعار بنسبة 3% إلى 8%
لماذا؟
بعض التجار يربطون الأسعار بالمناخ العام:
ارتفاع تكاليف غير مباشرة (نقل، تمويل، تخزين) أو استغلال نفسي للقرار.
الخلاصة هنا:
أي زيادة كبيرة في أسعار الغذاء هي سلوك سوقي للتجار وضعف الرقابة وليست نتيجة للقرار.
مثال (2): سلع استهلاكية غير غذائية – جمارك 5%
تاجر يستورد أدوات منزلية بقيمة 30,000 دولار
الجمارك 5% = 1,500 دولار
قبل رفع صرف الدولار الجمركي:
1,500 × 750 = 1,125,000 ريال
بعد رفع صرف الدولار الجمركي:
1,500 × 1560 = 2,340,000 ريال
الزيادة:
1,215,000 ريال
لو تم توزيعها:
الزيادة لكل قطعة بسيطة نسبيا
لكن في السوق:
قد ترتفع الأسعار بنسبة 5% إلى 12%.
مثال (3): سلع كمالية – جمارك 10% أو أكثر، مثل:
إلكترونيات
عطور
إكسسوارات
الزيادة الفعلية:
قد تصل 4% إلى 6% نظريا
لكن في السوق:
تصل أحيانا إلى 10% أو أكثر الأسباب التالية:
ضعف المنافسة.
مرونة الطلب السلع.
ثانيا: أثر القرار على المستهلك
1. المواد الغذائية:
لا يفترض أن تتأثر، لكن الواقع:
ارتفاع محدود بسبب عدوى الأسعار.
ممارسات غير منضبطة.
2. السلع غير الغذائية:
ارتفاع فعلي، لكن محدود نظريا
أكبر عمليا بسبب التسعير المبالغ فيه.
3. الأثر الكلي:
حتى مع استثناء الغذاء المستهلك سيتحمل عبئا إضافيا لأن جزءا كبيرا من إنفاقه يذهب لسلع أخرى (نقل، خدمات، أدوات، ملابس).
النتيجة:
الضغط المعيشي سيزداد، لكن ليس بسبب الغذاء مباشرة، بل بسبب بقية السلع.
ثالثا: أثر القرار على سلوك التجار وأرباحهم:
1. في قطاع الغذاء لا يوجد مبرر لرفع الأسعار، لكن:
بعض التجار سيستغل القرار
خصوصا في ظل غياب الرقابة.
2. في السلع غير الغذائية التاجر يواجه:
زيادة فعلية في الرسوم لكنه قد:
يضيف هامش ربح أعلى
يسعر على أساس المخاطر المستقبلية.
3. النتيجة:
أرباح بعض التجار قد ترتفع
خصوصا في:
السلع الكمالية.
السلع قليلة المنافسة.
4. أثر جانبي مهم:
زيادة رأس المال المطلوب للاستيراد.
خروج بعض صغار التجار.
زيادة تمركز السوق.
رابعا: أثر القرار على إيرادات الدولة
نظريا:
زيادة كبيرة في الإيرادات الجمركية للسلع غير الغذائية
لكن عمليا:
1. استثناء الغذاء يعني أن جزءا كبيرا من الواردات لن يتأثر
وبالتالي:
الزيادة في الإيرادات ستكون جزئية وليست شاملة.
2. بعض المحافظات لا تورد للبنك المركزي في عدن، مما يعني أن جزء من الإيرادات يبقى خارج الدورة المالية الرسمية.
3. التهرب الجمركي:
مع ارتفاع الرسوم يزيد التلاعب بالفواتير ويزيد التهريب.
4. النتيجة الواقعية
بدلا من قفزة كبيرة في حجم الايرادات، الزيادة ستكون محدودة
ومتفاوتة بين المنافذ والمحافظات.
خامسا: القراءة الشاملة:
إيجابيات القرار:
تقليل التشوه بين السعر الرسمي والفعلي.
تحسين جزئي للإيرادات.
ضبط نسبي لبعض الاختلالات.
التحديات:
استغلال السوق.
ضعف الرقابة.
التهرب الجمركي.
عدم مركزية الإيرادات.
سادسا: التوقع الأقرب للواقع
لأسعار الغذاء:
لا يفترض أن ترتفع، لكنها سترتفع بشكل محدود.
أسعار السلع الأخرى:
سترتفع بنسب أعلى من الأثر الحقيقي لرفع سعر صرف الدولار الجمركي.
التجار:
بعضهم سيحقق أرباحا إضافية.
الدولة:
ستحصل على إيرادات أعلى
لكنها أقل من المتوقع بسبب التسرب المالي.
و ذلك يعني أن استثناء المواد الغذائية يخفف من حدة القرار على المواطن، لكنه لا يلغي أثره.
فالزيادة لن تأتي من القمح والأرز مباشرة، بل من بقية تفاصيل الحياة اليومية.
وفي ظل بيئة غير منضبطة، فإن المشكلة ليست في القرار، بل في:
من يطبقه؟! وكيف يطبقه؟! ولصالح من يعمل في النهاية؟!