آخر تحديث :الأربعاء-20 مايو 2026-03:57م

بين موسكو وواشنطن .. الصين تمسك بخيوط اللعبة الكبرى

الأربعاء - 20 مايو 2026 - الساعة 11:12 ص
محمد خالد الحسيني

موسكو تواجه، وواشنطن تضغط، أما بكين فتتمدد .. العالم اليوم يعيد ترتيب مقاعد القوة من الصين، لم تعد بكين مجرد عاصمة آسيوية كبرى، بل تحولت تدريجيًا إلى مركز جذب سياسي واقتصادي تتقاطع عنده مصالح العالم وصراعاته وطموحاته.

وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين وسط استقبال رسمي لافت، لم يكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل مشهدًا يحمل رسائل تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين موسكو وبكين، ليعكس ملامح مرحلة دولية جديدة تتشكل بهدوء ولكن بثقة متزايدة.

في الوقت الذي تصعد فيه واشنطن ضغوطها على إيران بالعقوبات والتهديدات العسكرية، وتواصل انخراطها في أزمات تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، تبدو الصين وكأنها تتحرك وفق إيقاع مختلف، أقل ضجيجًا وأكثر براغماتية، مستفيدة من كل التناقضات الدولية لصناعة نفوذ طويل الأمد.

العالم الذي اعتاد لعقود على قطب أمريكي مهيمن، بدأ يلمس اليوم تغيرًا تدريجيًا في موازين القوة.

ليس سقوطًا مباشرًا للهيمنة الأمريكية، فواشنطن لا تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد القادر على فرض الإيقاع العالمي منفردًا كما كان الحال بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

هنا تحديدًا تبرز الصين .. فهي لا تقدم نفسها كقوة ثورية تسعى إلى إسقاط النظام الدولي، بل كقوة صاعدة تريد إعادة صياغة قواعده بهدوء.

ولهذا أصبحت مقصدًا للرؤساء والقادة، ليس فقط بسبب الاقتصاد الصيني الضخم، بل لأن الصين باتت تمثل مساحة توازن لكثير من الدول التي تبحث عن شراكات لا تمر بالضرورة عبر البوابة الأمريكية.

أما موسكو، التي تخوض مواجهة مفتوحة مع الغرب منذ الحرب في أوكرانيا، فتدرك أن الصين لم تعد مجرد شريك اقتصادي، بل عمق استراتيجي يساعدها على مواجهة العقوبات والعزلة الغربية.

لذلك تحمل زيارة بوتين أبعادًا تتجاوز ملفات الطاقة والتجارة، نحو تنسيق سياسي أوسع في مواجهة نظام دولي تعتبره موسكو منحازًا بالكامل للغرب.

لكن الصين، رغم تقاطع مصالحها مع روسيا، لا تريد الذهاب بعيدًا نحو تحالف صدامي مباشر مع الولايات المتحدة.

فبكين تعرف أن قوتها الاقتصادية بنيت أساسًا داخل النظام العالمي الحالي، وأن أي مواجهة مفتوحة مع واشنطن قد تهدد مسار صعودها الطويل.

لهذا تتقن الصين اللعب على الحبال الدقيقة .. تقترب من موسكو دون أن تتقاطع مع واشنطن، وتنافس أمريكا دون أن تدخل معها حربًا شاملة، وتطرح نفسها كشريك عالمي دون أن تتحمل أعباء الهيمنة التقليدية التي أنهكت الولايات المتحدة لعقود.

ومن هنا يمكن فهم الصورة الأوسع، التصعيد الأمريكي تجاه إيران، العقوبات الاقتصادية، التحركات العسكرية في مضيق هرمز، المناورات النووية الروسية، والتقارب المتزايد بين موسكو وبكين، ليست أحداثًا منفصلة، بل أجزاء من صراع عالمي أعمق يدور حول سؤال واحد .. من سيملك النفوذ الأكبر في النظام الدولي القادم؟

الولايات المتحدة لا تزال تمسك بمفاتيح القوة التقليدية، الدولار، التحالفات العسكرية، التكنولوجيا، والنفوذ السياسي العالمي.

لكن العالم في المقابل لم يعد مستعدًا للتموضع الكامل خلف قطب واحد، خصوصًا مع صعود قوى اقتصادية وسياسية كبرى تبحث عن مساحة أوسع في إدارة النظام الدولي.

ورغم كثرة الحديث عن أفول أمريكا، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا من مجرد سقوط قوة وصعود أخرى.

فالصين لا تملك حتى الآن القدرة أو الرغبة في لعب دور شرطي العالم، وروسيا، رغم قوتها العسكرية، لا تملك المقومات الاقتصادية التي تؤهلها لقيادة نظام عالمي منفرد.

ما يجري فعليًا هو ولادة عالم متعدد المراكز، تتوزع فيه القوة بين واشنطن وبكين وموسكو وقوى إقليمية أخرى، في مشهد أقل استقرارًا لكنه أكثر توازنًا من مرحلة الهيمنة الأحادية.

وربما لهذا السبب تبدو بكين اليوم هادئة أكثر من الجميع، فالصين لا تتعامل مع التحولات الدولية باعتبارها أزمة مؤقتة، بل فرصة تاريخية لإعادة التموضع العالمي.

وبينما ينشغل الآخرون بإدارة الصراعات المباشرة، تواصل بكين بناء نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي بصبر طويل يشبه فلسفتها القديمة .. لا تواجه التنين، بل تعلّم كيف تركبه.