آخر تحديث :الخميس-21 مايو 2026-01:56ص

شبوة.. حين تتسع للجميع

الأربعاء - 20 مايو 2026 - الساعة 11:29 م
د. سمير أحمد بوست

في المحافظات التي تشبه شبوة، لا يعيش الناس على السياسة وحدها، بل على فكرة أعمق وأبقى: فكرة التوازن.


هنا، تعلّم الناس منذ زمن طويل أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن المجتمع لا يستقر حين يعلو صوت طرف واحد، بل عندما يشعر الجميع أن لهم مكاناً محفوظاً تحت سقف المحافظة الواحدة. ولهذا بقيت شبوة، رغم كل التحولات والعواصف، قادرة على الحفاظ على شيء مهم جداً: قدرتها على التعايش.


ولعل ما شهدته مدينة عتق مؤخراً من انعقاد اللقاء التشاوري الأول للأحزاب والمكونات السياسية والمدنية والاجتماعية، لم يكن مجرد فعالية سياسية عابرة، بقدر ما كان تعبيراً هادئاً وصادقاً عن حاجة حقيقية يشعر بها كثير من أبناء المحافظة اليوم؛ الحاجة إلى إعادة التذكير بأن شبوة لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق الشراكة.


فالمحافظة التي عاشت طوال تاريخها على التنوع، لا يمكن اختصارها في رؤية واحدة، أو مكون واحد، أو خطاب واحد. وشبوة التي احتوت الجميع لعقود، لا تشبه فكرة الإقصاء، ولا تنسجم مع محاولات تضييق مساحة المشاركة أو احتكار تمثيل المجتمع.


ولأن أبناء شبوة يعرفون طبيعة محافظتهم جيداً، فقد جاءت لغة اللقاء هادئة ومتزنة، بعيدة عن التصعيد أو الخصومة، وقريبة من روح المجتمع نفسه. لم يكن الهدف صناعة أزمة جديدة، بل محاولة حماية التوازن القائم، والتنبيه إلى أن أي اختلال في العلاقة بين المكونات السياسية والاجتماعية قد يفتح أبواباً لا تحتاجها المحافظة في هذه المرحلة الحساسة.


والحقيقة أن أكثر ما يمنح شبوة قوتها ليس النفط ولا الجغرافيا فقط، بل هذا النسيج الاجتماعي الواسع الذي تعلّم عبر السنين كيف يدير اختلافاته دون أن يفقد تماسكه. ولذلك فإن أي محاولة لتقديم طرف باعتباره الممثل الوحيد للمحافظة، أو الوصي السياسي على الجميع، ستبدو بعيدة عن طبيعة المجتمع الشبواني الذي قام أساساً على التعدد والتوازن واحترام الحضور المتبادل.


ومن هنا، جاءت الدعوات التي أطلقها اللقاء إلى أهمية التزام مؤسسات الدولة والسلطة المحلية بمبدأ الحياد، والتعامل مع جميع القوى بروح متساوية، باعتبار ذلك ليس مطلباً سياسياً لفئة معينة، بل قاعدة ضرورية لحماية الاستقرار وتعزيز الثقة العامة.


كما بدت الدعوة لتحييد المؤسسات الأكاديمية، وفي مقدمتها جامعة شبوة، دعوة طبيعية ومسؤولة؛ لأن الناس تريد للجامعة أن تبقى بيتاً للعلم والمعرفة وبناء المستقبل، لا مساحة إضافية للخلافات السياسية. فالمجتمعات التي تحمي تعليمها، تحمي مستقبلها قبل أي شيء آخر.


وفي الجانب الأوسع، حمل هذا اللقاء رسالة مهمة أيضاً إلى الخارج، وخصوصاً إلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية الذين يرعون جهود الحوار الجنوبي ومسارات التهدئة. فالصوت الذي خرج من عتق لم يكن صوت مواجهة، بل صوت شراكة، ورسالة تقول إن أبناء شبوة يريدون أن يكونوا جزءاً من أي مشروع استقرار حقيقي، قائم على الحوار والتفاهم واحترام الجميع.


ولهذا جاء التأكيد الواضح على دعم الحوار الجنوبي – الجنوبي برعاية المملكة، انطلاقاً من قناعة بأن المرحلة لم تعد تحتمل المزيد من الانقسام، وأن أي حلول قابلة للاستمرار يجب أن تُبنى على التوافق لا على الإقصاء، وعلى التقارب لا على فرض الرؤى الجاهزة.


وربما ما تحتاجه شبوة اليوم أكثر من أي وقت مضى، ليس مزيداً من الخطابات الحادة، بل قدراً أكبر من الطمأنينة السياسية والاجتماعية. فالناس فيها أنهكتهم سنوات التوتر، وسياسات الاستئثار، وأصبحوا يبحثون عن مساحة يشعرون فيها أن المحافظة تتسع للجميع، وأن الخلاف لا يعني العداء، وأن المشاركة لا تهدد أحداً.


إن المحافظة التي استطاعت عبر عقود أن تبقى متماسكة رغم تعقيدات الواقع، قادرة اليوم أيضاً على أن تقدم نموذجاً مختلفاً، إذا ما انتصر العقل على الانفعال، والحوار على الاستقطاب، والشراكة على فكرة الاحتكار.


وفي النهاية، قد تختلف القوى السياسية، وقد تتباين الرؤى، لكن ما يجب أن يبقى ثابتاً هو الإيمان بأن شبوة أكبر من الجميع، وأن استقرار هذه المحافظة جغرافياً وإقتصادياً ليس مجرد شأن داخلي، بل هو حجر الزاوية لاستقرار الجنوب والوطن والمنطقة برمتها، واستقرارها لا يتحقق إلا عندما يشعر كل أبنائها أنهم شركاء في حاضرها ومستقبلها.


فالأوطان لا يحميها الصوت الأعلى… بل المساحة التي تتسع للجميع.