لم تعد الوحدة في اليمن نشيداً وطنياً يُرفع في الصباحات الرسمية، ولا علماً يرفرف فوق المباني المتعبة، ولا خطابات طويلة تتكاثر فيها الكلمات حتى تموت معانيها.
لقد أصبحت شيئاً يشبه الحنين إلى زمنٍ لم يأتِ كاملاً، أو كالحلم الذي استيقظ أصحابه قبل الاوان.
ستة وثلاثون عاماً، واليمني ما يزال يمشي نحو وحدته كما يمشي العطشان في قلب الصحراء خلف سراب يلمع من بعيد.
كلما اقترب منه، ابتعد أكثر.
وكلما ظن أنه بلغ الماء، اكتشف أن ما كان يراه لم يكن سوى انعكاس عطشه على رمال الوقت.
كانت الوحدة يوماً فكرة أكبر من السياسة.
كانت تشبه خلاصاً جماعياً لشعب أنهكته الحدود والأسلاك والأسئلة الصغيرة.
وحين فُتحت الأبواب بين صنعاء وعدن، بدا الأمر كأن التاريخ أخيراً تعب من الانقسام، وقرر أن يمنح اليمنيين وطناً واحداً يتسع لأحلامهم المتعبة.
لكن الأوطان لا تُبنى بالأغاني وحدها.
ولا تكفي العواطف كي تحرس الخرائط من التشقق.
شيئاً فشيئاً، بدأت الوحدة تفقد وجهها الأول.
تحولت من شراكةٍ بين روحين، إلى صراع بين قوتين.
ومن حلم شعب، إلى غنيمة سلطة.
حتى صار اليمنيون ينظرون إليها كما ينظر الناجون إلى بيتٍ قديم احترق نصفه، ولم يعودوا يعرفون:
أيبكون ما تبقى منه، أم يهربون من رماده؟
ويا لسخرية القدر اليمني…
صنعاء التي أكلتها الحروب، وأتخمها صراع النفوذ، ما تزال تتحدث باسم الوحدة كأن شيئاً لم يحدث، بينما عدن، المدينة التي فتحت قلبها للحلم ذات مايو، تمشي اليوم بعيداً عن الذكرى، كمن يخجل من استعادة خيبة أمل قديمة أمام الناس.
عدن لا تكره الوحدة بقدر ما تخشى ذكرها.
فالخذلان حين يأتي بحجم وطن، لا يترك في القلب مساحة كافية للاحتفال.
أما اليمني البسيط، ذلك الذي لا تعنيه خطابات الساسة ولا خرائط المتقاتلين، فقد صار يبحث عن وطنٍ صغير داخل وطنه الكبير؛
مكان آمن، ورغيف مستقر، وسقف لا تسقط عليه الحرب كل ليلة.
لقد تقلصت أحلام الناس كثيراً، حتى أصبحت الوحدة نفسها ترفاً سياسياً أمام فوضى النجاة اليومية.
ومع ذلك…
ثمة شيء غامض لا يموت تماماً في روح اليمنيين.
شيء يشبه الإيمان القديم بأن هذه الأرض، مهما تشظت، لا تستطيع أن تنكر وحدتها.
“ثمة شيء لا يموت تماماً في روح اليمنيين؛ شيء يشبه يقيناً قديماً بأن هذه الأرض، مهما تفرّقت على السطح، تبقى موصولة في العمق بخيطٍ لا يُرى، لكنه لا ينقطع.”
شيء يشبه الإيمان القديم بأن هذه الأرض، مهما تشظت، لا تستطيع أن تنكر وحدتها.