آخر تحديث :الخميس-21 مايو 2026-10:18م

22 مايو .. حين تجاوز اليمن حدود الجغرافيا

الخميس - 21 مايو 2026 - الساعة 07:07 م
محمد خالد الحسيني

يبقى الثاني والعشرون من مايو يوم العناق اليمني الكبير، اليوم الذي تجلت فيه قوة التاريخ وتبلورت فيه إرادة المستقبل، باعتباره قدر هذا الشعب وخياره الطبيعي في زمن التكتلات والتحولات الكبرى.

اليمن والجمهورية والوحدة، ثلاثية الهوية الوطنية التي تُشكل وجدان اليمنيين وذاكرتهم الجمعية.

في الثاني والعشرين من مايو 1990، لم يكن اليمنيون يحتفلون بمجرد توقيع اتفاق سياسي بين دولتين، بل كانوا يحتفون بتحقق حلم تاريخي ظل يسكن وجدانهم لعقود طويلة.

كان ذلك اليوم لحظة استثنائية ارتفع فيها صوت اليمنيين معلنًا نهاية زمن التشطير وبداية عهد جديد من الوحدة الوطنية، في مشهد اختلطت فيه دموع الفرح بأحلام المستقبل، وتجسدت فيه إرادة شعب آمن بأن وحدة الأرض والإنسان هي الطريق الطبيعي لبناء الدولة واستعادة الدور الحضاري لليمن.

لقد جاءت الوحدة اليمنية تتويجًا لمسيرة طويلة من النضال الوطني، بدأت مع ثورتي سبتمبر وأكتوبر، حيث امتزجت دماء أبناء الشمال والجنوب دفاعًا عن الحرية والاستقلال والجمهورية.

ولم تكن الوحدة حدثًا عابرًا أو مشروعًا سياسيًا مؤقتًا، بل تعبيرًا عن حقيقة تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة صنعتها قرون من التعايش ووحدة الهوية والمصير المشترك.

ومن هذا المنطلق، نظر كثير من القادة والمفكرين العرب إلى الوحدة اليمنية باعتبارها أكثر من شأن يمني داخلي، بل باعتبارها إنجازًا قوميًا عربيًا تحقق في زمن كانت فيه الأمة العربية تعيش حالة من الانقسام والتراجع.

فقد رأى كثيرون أن اليمن قدم نموذجًا عمليًا لما كانت تحلم به الشعوب العربية منذ عقود، حين استطاع شعب واحد أن يتجاوز الانقسام السياسي ويعيد بناء دولته الموحدة بإرادة وطنية خالصة.

وفي هذا السياق، ارتبط مشروع الوحدة في فكر عدد من القيادات اليمنية، ومنهم علي سالم البيض رحمه الله، بحلم قومي عربي أوسع، إذ لم تُطرح الوحدة بوصفها مجرد اندماج جغرافي أو سياسي، بل باعتبارها نواة لمشروع عربي وحدوي أكبر يعيد للأمة شيئًا من حضورها وقوتها.

ولهذا قُدمت تنازلات كبيرة من أجل إنجاح التجربة، انطلاقًا من قناعة بأن وحدة اليمن تمثل خطوة تاريخية تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية نحو آفاق قومية أشمل.

لكن، وكما يحدث في التجارب الكبرى، اصطدمت الوحدة لاحقًا بتحديات سياسية وصراعات داخلية أضعفت مشروع الدولة، وأدخلت اليمن في أزمات متلاحقة بلغت ذروتها في حرب صيف 1994، ثم في الانقسامات والصراعات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

ومع ذلك، بقيت الوحدة في الوعي الجمعي لليمنيين حقيقة راسخة تتجاوز أخطاء السياسة وتقلبات السلطة، لأن جذورها ليست فقط في الاتفاقات الرسمية، بل في المجتمع والتاريخ والهوية المشتركة.

واليوم، وبينما يمر اليمن بواحدة من أصعب مراحله، تعود ذكرى الثاني والعشرين من مايو لتطرح سؤال المستقبل من جديد: كيف يمكن الحفاظ على هذا المنجز التاريخي العظيم؟ وكيف يمكن تحويل الوحدة من مجرد ذكرى وطنية إلى مشروع عادل يستوعب الجميع ويحقق الشراكة والمواطنة المتساوية؟

إن العالم اليوم يتجه نحو التكتلات الكبرى والاتحادات الاقتصادية والسياسية، ولم تعد الدول الصغيرة المتفرقة قادرة على مواجهة التحديات منفردة.

وفي وقت تتوحد فيه المصالح الدولية وتتشكّل التحالفات الإقليمية، يصبح من غير المنطقي العودة إلى مشاريع التشظي والانقسام.

فالوحدة، رغم كل ما تعرضت له من هزات، تظل الضمانة الحقيقية لبقاء اليمن قويًا حاضرًا في محيطه العربي والإقليمي.

ولذلك فإن الحفاظ على الوحدة اليمنية لا يعني التمسك بالأخطاء أو تجاهل المظالم، بل يتطلب إعادة بناء المشروع الوطني على أسس عادلة تقوم على الشراكة والعدالة والدولة والمؤسسات واحترام خصوصيات الجميع.

فالوحدة الحقيقية ليست فرضًا بالقوة، بل عقدًا وطنيًا جامعًا يشعر فيه كل مواطن أنه شريك في الوطن والثروة والقرار.

لقد أثبت اليمنيون عبر تاريخهم أن إرادتهم قادرة على تجاوز المحن، وأن حلم الدولة الواحدة لا يزال حاضرًا في وجدان الشعب مهما تعاظمت الأزمات.

وستظل الوحدة اليمنية، بالنسبة لكثير من اليمنيين والعرب، رمزًا لإمكانية الانتصار على الفرقة، ودليلًا على أن الأمة القادرة على توحيد صفوفها تستطيع أن تصنع مستقبلها مهما كانت التحديات.

ويبقى الثاني والعشرون من مايو يومًا يحمل معنى أكبر من مجرد مناسبة وطنية، إنه يوم الحلم اليمني المتجدد، والحلم القومي العربي الذي يؤمن بأن قوة الشعوب في وحدتها، وأن الأوطان لا تُبنى بالتشرذم، بل بالتكاتف والإرادة المشتركة.

وستبقى الجمهورية اليمنية، بكل ما تمثله من تاريخ وحضارة وهوية، وطنًا واحدًا في ذاكرة أبنائه وآمالهم، مهما طال زمن الأزمات.

وسيبقى الثاني والعشرون من مايو محطةً خالدة في تاريخ اليمن الحديث، ارتبطت بإرادة شعب وحلم وطن، وبجهود القيادات الوطنية التي آمنت بأن وحدة اليمن قدَرَه ومستقبله.

وكان للرئيس الراحل علي عبد الله صالح رحمه الله دورٌ بارز في تحقيق هذا المنجز التاريخي، إلى جانب مختلف القوى والشخصيات الوطنية التي أسهمت في تحويل حلم اليمنيين إلى واقعٍ جسّد وحدة الأرض والإنسان والدولة.