لم يكن الثاني والعشرون من مايو 1990 مجرد تاريخ سياسي عابر في ذاكرة اليمنيين، بل لحظة استثنائية شعر فيها الناس أن اليمن يطوي صفحة الانقسام والتشظي، ويدخل زمن الدولة الحديثة. يومها، خرج اليمنيون يحتفلون بوطن موحد، وبحلم طال انتظاره، اعتقدوا أنه سيؤسس لدولة قانون ومواطنة وشراكة، لا لسلطة غلبة ونفوذ. كانت الوحدة، في الوجدان اليمني، مشروعاً لبناء دولة جامعة وفرصة تاريخية لتجاوز إرث الصراعات والانقسامات، وتأسيس عقد سياسي جديد يقوم على العدالة والتوازن والشراكة الحقيقية.
غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن الوحدة أُنجزت سياسياً، لكنها لم تُبنَ مؤسسياً. فبدلاً من أن تتحول الى مشروع وطني جامع، جرى اختزالها تدريجياً داخل منظومة سلطة ضيقة احتكرت القرار والثروة والنفوذ، وادارت الدولة بعقلية المنتصر لا بعقلية الشريك. ومن هنا بدأت الأزمة الحقيقية؛ إذ تحولت الوحدة من حلم شعبي جامع الى اداة لإعادة انتاج الهيمنة، ومن مشروع لبناء دولة عادلة الى غطاء سياسي لمركزية متوحشة اضعفت فكرة العدالة بين الناس، ودفعت البلاد نحو اختلالات عميقة ما تزال تدفع ثمنها حتى اليوم.
كان اليمنيون ينتظرون دولة مؤسسات، لكنهم وجدوا انفسهم امام بنية حكم قائمة على المحاصصة والولاءات الضيقة وتقاسم النفوذ. ومع مرور الوقت، اتسعت الهوة بين الخطاب الرسمي الذي رفع الوحدة باعتبارها “خطاً أحمر”، وبين واقع الناس الذين لم يروا فيها سوى تركز السلطة والثروة بيد قوى محددة، فيما جرى تهميش بقية الشركاء سياسياً واقتصادياً وادارياً. وتحولت الدولة تدريجياً من كيان جامع لكل اليمنيين الى سلطة تدار بمنطق الاقصاء، لا بمنطق المساواة في الفرص والحقوق.
وبعد اكثر من ثلاثة عقود، يبدو المشهد اليمني اكثر تعقيداً وتشظياً. في الشمال تفرض جماعة الحوثي سيطرتها، وفي الجنوب تتعدد المشاريع بين الانفصال والدولة الاتحادية، فيما تبدو السلطة الشرعية عاجزة عن استعادة الدولة الجامعة. وفي الخلفية، تتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، لتجعل من اليمن ساحة مفتوحة لصراع متداخل عمق الانقسام واضعف فرص التماسك.
إن اخطر ما واجهته دولة الوحدة لم يكن خصومها السياسيون، بل طريقة ادارتها بعد تحققها؛ حين تحولت السلطة الى احتكار، وتراجع فيها معنى العدالة في توزيع الفرص، فتآكل الاحساس العام بالشراكة، واصبحت الوحدة في الوعي العام عبئاً سياسياً بدل أن تكون مشروع دولة جامعاً.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز خيار الدولة الاتحادية كمحاولة لاعادة تنظيم العلاقة بين المركز والاطراف، عبر توزيع السلطة والثروة وتمكين الاقاليم ضمن اطار وطني اكثر توازناً. غير أن اي صيغة مستقبلية، اتحادية كانت ام غيرها، لن تكون قابلة للحياة دون ارادة سياسية تعيد الاعتبار للشراكة، وتؤمن بأن الاستقرار لا يفرض بالقوة، بل يبنى بالتفاهم والثقة المتبادلة.
اليمن اليوم لا يحتاج الى اعادة ترميم السلطة بقدر ما يحتاج الى اعادة التفكير في معنى الدولة نفسها؛ دولة يشعر فيها المواطن أن له مكاناً وفرصة وكرامة، لا مجرد رقم في معادلة نفوذ متصارعة. فالأمر لم يعد محتملاً، بل واقع مؤلم، معاش. يمس حياة المواطنين في تفاصيلها اليومية، بل وبعيداً عن وعود السلطة وخطاباتها.
وبدون هذا التحول، ستظل كل الصيغ المطروحة معرضة للتعثر، لأن الأزمة لم تكن يوماً في شكل الوحدة، بل في غياب الدولة الجامعة، وفي سوء ادارتها وتحويلها الى واقع عادل ومستقر.