آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-05:52م

حين يعلو التكبير فوق ضجيج العالم

الجمعة - 22 مايو 2026 - الساعة 10:04 ص
د. سعيد سالم الحرباجي


ليست «الله أكبر» كلمةً تُقال على عجل، ولا شعارًا يتردّد في مواسم العبادات ثم تمضي أصداؤه مع انقضاء الأيام..

إنها الحقيقة الكبرى التي إذا استقرّت في القلب أعادت تشكيل الإنسان من الداخل، وغيّرت نظرته إلى الدنيا، وإلى نفسه، وإلى الحياة كلّها.

فالمؤمن حين يرفع صوته بالتكبير، لا يعلن مجرد لفظٍ تعبّدي، بل يعلن انكسار كلِّ شيء أمام عظمة الله.

يعلن أن الله أكبر من الدنيا التي استغرقت الناس بزخارفها، وأكبر من الشهوات التي أسرت القلوب، وأكبر من القوى التي يخشاها البشر، وأكبر من الطغاة الذين ملؤوا الأرض ضجيجًا واستعلاءً.

الله أكبر…

أكبر من المال حين يتحول إلى معبودٍ

خفيّ، ومن الجاه حين يُسكر النفوس،

ومن الخوف حين يضيّق على الإنسان

أنفاسه، ومن الحزن حين يخيل إلى

صاحبه أنه لن يبرح قلبه أبدًا.

إن التكبير ليس لفظًا يُردَّد باللسان فحسب...

بل ميزانٌ تُوزَن به حقائق الأشياء؛ فإذا عَظُم الله في الروح، هانت الدنيا بما فيها، وسقطت من العين تلك الأحجام المتضخّمة التي صنعتها الأوهام.

وكيف لا يكون الله أكبر، وهو الذي يقول سبحانه:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾

أيُّ قلبٍ يستحضر هذه الآية ثم يبقى أسير خوفه الصغير؟

وأيُّ نفسٍ تتأمل هذا الجلال ثم يستبدّ بها القلق على رزقٍ كتبه الله قبل أن تُخلق السموات والأرض؟

إن الإنسان في لحظة التكبير الصادقة يدرك هشاشته الحقيقية أمام ملكوت الله؛ يرى الدنيا بكل جبروتها أصغر من ذرّة في هذا الكون الفسيح، ويرى نفسه عبدًا فقيرًا لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا إلا بما شاء الله.


وقد جاء في الأثر عن النبي ﷺ:

«ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقةٍ أُلقيت في فلاةٍ من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة.»

فأيُّ شأنٍ لهذه الأرض التي نتقاتل عليها، ونتكبر فيها، ونتنازع من أجل متاعها الزائل، أمام هذا الاتساع المهيب؟


وحين يرسخ معنى التكبير في القلب، يتحرر الإنسان من عبودية الأشياء.

لا يعود أسير شهوة، ولا رهينة خوف، ولا تابعًا لتعظيم البشر.

لأن من عرف أن الله أكبر....

استصغر كلَّ قوةٍ سواه، وكلَّ مجدٍ دونه، وكلَّ سلطانٍ غير سلطانه.

الله أكبر من أن يُعصى لأجل رغبة...

وأكبر من أن يُنسى لأجل تجارة...

وأكبر من أن يُؤخَّر حقّه من أجل لذةٍ عابرة أو دنيا فانية...

ولذلك لم يكن التكبير في الإسلام مجرّد عبادة صوتية، بل تربيةٌ روحية تعيد ترتيب القلب كلّما بعثرته الحياة.


في أيام التكبير...

لا يكفي أن ترتفع الأصوات في المساجد والطرقات، بينما تبقى القلوب معلّقةً بما سوى الله.

فالتكبير الحقيقي أن يسقط من داخلك تعظيمُ الخلق، وأن يمتلئ قلبك بجلال الخالق.

أن تقول: «الله أكبر» يعني أن توقن أن الفرج منه وحده، وأن الرزق بيده وحده، وأن النصر لا يُستمد إلا من عونه، وأن أبواب السماء لا تُغلق ولو أُغلقت في وجهك أبواب الأرض جميعًا.


وما أحوج الإنسان في هذا الزمن المضطرب إلى أن يعود إلى المعنى العميق للتكبير؛ لا بوصفه عادةً تتكرر، بل باعتباره يقينًا يعيد للروح اتزانها، ويمنح القلب سكينته، ويحرر الإنسان من خوف العالم كله.


فإذا كبر الله في قلبك…

صغرت الدنيا.

وإذا امتلأت روحك بعظمته…

تلاشت مخاوفك.

وإذا أيقنت أنه سبحانه أكبر من كل شيء…

أدركت أن لا ملجأ من الحياة إلا إليه، ولا طمأنينة إلا في قربه.

الله أكبر…

من كل فقدٍ يوجعنا، ومن كل كربٍ يثقل صدورنا، ومن كل طاغيةٍ يظن أن الأرض مُلكه،

ومن الدنيا كلها، بما فيها ومن فيها.


الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا.