صفحاتٌ سوداء وقاتمةٌ -بلا شك- مرَّ بها تاريخ المسار السياسي في اليمن ككل، شمالاً وجنوباً؛ أو بمعنى أدق: تاريخ حلقات الصراع السياسي المؤرق والشائك والمعقد الذي ابتُليت به البلاد منذ انتصار ثورتي سبتمبر 1962م وأكتوبر 1963م وما تلاهما، وحتى الوقت الحاضر.
فبعد أكثر من 64 عاماً على انطلاق الثورتين، لم يتمكن اليمن الحديث -الخارج من حكم الإمامة والاستعمار البريطاني- من اللحاق بركب أهداف ومضامين الثورة الحقيقية، أو السير قُدماً نحو تحقيق الغايات المرجوة؛ على الرغم من مضي حقب زمنية ليست بالقليلة، سواء قبل أو بعد توحيد البلاد عام 1990م. وهي فترات كان الأحرى بها أن تُغير أطر المعادلة، وتؤول بالأوضاع إلى الأفضل في بلدٍ مُهيأ ويمتلك الكثير من المقومات للنهوض التنموي والبشري المطرد.
لكن للأسف، لم تنعم البلاد بخيرات الثورة على المدى الطويل وحتى اليوم؛ فبعد أن تهاوت وتساقطت آخر الأوراق المأمولة، أصبح الحصول على كسرة خبز أو لقمة عيشٍ هو أقصى ما يصبو إليه الملايين من أبناء الشعب المُتعب والمُنهك، بعد أن تقطعت بهم السبل، وحاصرتهم شتى الصراعات والحروب والفقر، وتردت الأوضاع إلى ما هو أسوأ.
فلم تتمكن الثورتان -كما أسلفنا- على اختلاف مسارهما، من تجاوز أو تحاشي المنزلقات والإسقاطات التي واجهتهما، مما أدى بطبيعة الحال إلى تعثر أو إعاقة مخرجات النمو وبناء الدولة الحديثة، وغياب سياسات الحكم الرشيد، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والخارجية. ولعل ثورة 11 فبراير 2011م الشبابية لم تأتِ إلا نتاجاً لخيبات الماضي، بعد أن جرى تعطيلها هي الأخرى من قبل السلطة الحاكمة، التي لم تجد وسيلةً سوى استخدام لغة العنف لصدها، والانتقام من الأجنحة التي انطوت تحت مظلة ثورة الشباب وأعلنت تأييدها حفاظاً على مراكزها ومكانتها، بعد انفصالها عن سياسة علي عبد الله صالح، الذي كان على استعداد أن يُسلم السلطة والوطن للشيطان دون سواه أو بطانته.
لقد غاب عن علي عبد الله صالح، الذي حكم البلاد أكثر من 33 عاماً، حُسن التصرف والرؤية في هذه المرحلة الأشد خطورة في حياة كل اليمنيين؛ فلم يشأ أن يغادر المسرح السياسي بهدوء بعد تنحيه وتولي عبد ربه منصور هادي مقاليد رئاسة الدولة، ولم يستفد -ولو قليلاً- من تجربة نظرائه السابقين، الرئيسين السلال والإرياني -رحمهما الله- اللذين آثرا مغادرة الكرسي بالطرق السلمية خلال فترة حكمهما حفاظاً على البلاد من سفك الدماء.
وبالتالي، لم تتوفر للرئيس الشرعي المنتخب عبد ربه منصور هادي الظروف المناسبة لإدارة دفة الحكم، رغم نواياه الحسنة وضخامة الصعوبات الجمة التي رافقت فترة رئاسته؛ كتعطيل مخرجات "مؤتمر الحوار الوطني" الذي كان يمثل أحد أهم سبل النجاة، وآخر حوار شامل جرى تداوله على مائدة واحدة لمختلف مكونات التيارات الوطنية، بما يمهد لإبرام عهد جديد وحلول مقنعة لجميع القضايا المطروحة. كما تعرض الرئيس المنتخب للمضايقات الشخصية والمباشرة قبل أن يتمكن من الإفلات والهروب خارج الوطن، ومسارعته في طلب العون من المجتمع العربي، وهو ما قاد -على أثره- السعودية لتشكيل تحالف عربي عسكري عام 2015م، استمر لأكثر من سبع سنوات، نتج عنه دمار هائل وواسع جلب الكثير من الويلات للبلد.
وإن كان الأحرى، قياساً بالأوضاع حينها، التمسك بالسيد عبد ربه منصور هادي، الرئيس المنتخب والشرعي، وليس التصدي له، وهو ما فُسّر حينها بأنه انقلاب واضح على رأس هرم السلطة.
ولعل من المفارقات في هذا الإطار أن حركة "أنصار الله"، التيار المستحدث ضمن مكون العملية السياسية للسلم والشراكة، لم تعِ أفاعيل وخطط الحليف والخصم علي عبد الله صالح إلا متأخراً (تحالف المنفعة)، وتحولت بين ليلة وضحاها من شريك سياسي باتفاق أممي إلى جهة انقلابية ضد نظام الحكم، واستخدمت أدوات القوة والنار دون إدراك للمخاطر المحدقة؛ ليتم على أثره تصنيفها في نظر المجتمع الدولي كإحدى الجهات المعرقلة للعملية السياسية والسلم والأمن في اليمن، إلى جانب علي عبد الله صالح الذي صدرت بحقه أيضاً العقوبات الدولية.
وهكذا ظلت الأوضاع تميل إلى التعقيد والمجهول يوماً بعد آخر، مع احتدام وتوسع دائرة الحرب والاقتتال الداخلي وفتح جبهات أخرى، وما خلفه كل ذلك من تداعيات جمة وكبيرة على المستويات الاقتصادية والإنسانية والتنموية، ناهيك عن تدخل القوى الإقليمية في الشؤون الداخلية وانتهاك سيادة الأراضي اليمنية؛ كما سقطت آخر أقنعة الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، الذي أعلن تحالفه الصوري مع "أنصار الله" في بادئ الأمر، قبل أن يتراجع ويلقى مصرعه.
ومع تسارع وتيرة الأحداث، وجدت جماعة "أنصار الله" أنه لم يعد سواها في الساحة، خصوصاً في أجزاء مناطق الشمال، وبنفس الوقت لجأ المجلس الانتقالي الجنوبي حينها إلى التلويح والإعلان عن انفصال جنوب الوطن، لتبادر الجماعة بعد ذلك إلى محاولة تسيير شؤون الدولة في المحافظات التابعة لها، وتشكيل حكومة مؤقتة لإدارة المهام، مع الإعلان مراراً عن استعدادها لتبني عملية سياسية تكاملية تضم كافة الفرقاء والأطياف السياسية والمجتمعية، والدخول في مشروع سلام، رغم فشل جهود مندوبي الأمم المتحدة الأربعة على مدى سنوات عدة، وتعثر مشاوراتهم في التوصل إلى صيغة توافق تخدم الملف السياسي المتشظي، والاكتفاء بتصريحاتهم المتكررة بأن الحل يبدأ أولاً (يمني-يمني) إذا وُجدت الإرادة والعقلانية وتقديم التنازلات خدمةً للوطن، وهو بلا شك ما ينظر إليه ويطلبه الجميع، ومراعاةً أيضاً للملف الإنساني المأساوي والكارثي الذي لم تشهده البلاد من قبل، والذي يعد بمثابة الموت البطيء والمؤلم لحياة عموم الناس كافة.
[email protected]