آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-05:20م

فشل المؤسسة اليمنية بين معوقات التفاوض السياسي والتقاليد المجتمعية ؛ قراءة الذات من منظور الآخر

الإثنين - 25 مايو 2026 - الساعة 01:38 م
د. جمال الهاشمي


تعد مأسسة اليمن هو التحدي الأكبر للخروج من الأزمة اليمنية في استقراء و تصورات المستشرقين والدبلوماسيين الغربيين عن الدولة اليمنية

بينما يرجع أصحاب النفوذ في الداخل والدول المجاورة تحديات المأسسة إلى الفقر أو الصراعات السياسية على السلطة والثروة.

أن العقل الاستشراقي الغربي بما يمتلكه من أدوات منهجية عزا فشل إلى المؤسسة إلى بنية دولة المتأزمة والتي لم تستطع أن تتحول بصورة كاملة من مجتمع القبلية إلى مجتمع المؤسسة.

ولهذا ظلت الكتابات الغربية عن اليمن تتكرر حول فكرة مركزية مفادها أن الدولة اليمنية كانت أضعف من أن تحتكر السلطة وأقوى من أن تسقط نهائيا فبقيت عالقة بين شكل الدولة الحديثة ومضمون المجتمع التقليدي.

ولقد نظر عدد من الباحثين الغربيين إلى اليمن باعتبارها واحدة من أكثر البيئات تعقيدا في العالم العربي بسبب التداخل الحاد بين القبيلة والدين والسياسة والجغرافيا المسلحة.

وهنا يرى المستشرق البريطاني روبرت سيرجنت أن اليمن التاريخي لم يكن يعرف الدولة المركزية المستقرة بالمعنى الأوروبي وإنما عرف شبكات ولاء قبلية ومذهبية تتحالف مؤقتا حول القوة أو المصالح.

ولذلك كانت السلطة في اليمن سلطة تفاوض أكثر منها سلطة مؤسسات، هذا التفاوض هو نفسه الإشكال الذي أسس خلال عمري مجلسين رئاسيين الأولى في عهد الرئيس علي صالح والثاني في عهد الرئيس العليمي غير أن صالح تمكن من إنهاء فسيفساء المجلس الرئاسي لصالحه ويبقى التساؤل وهو هل يستطيع الرئيس العليمي أن ينهي هذا المجلس لصالح الدولة المدنية العادلة .

أما الباحث والدبلوماسي الأمريكي بول دريش فقد أشار في دراساته إلى أن القبيلة اليمنية لم تكن دائما عدوا للدولة بقدر ما كانت بديلا عنها عندما تفشل.

وأن المجتمع اليمني بحسب قراءته ـ طور آليات الحماية الذاتية بسبب ضعف المؤسسات الرسمية وهو ما أدى إلى انهيار ثقة الفرد بالدولة وتنامي ثقته بالقبيلة وهو عطل فاعلية القانون والثقة به وهنا كانت ثقته بالوساطة أكثر من ثقته بالقضاء وبالعلاقات الشخصية أكثر من ثقته بالإدارة العامة.

وهنا الفرضية المطروحة تعكس في الحقيقة نمط الدولة اليمنية التي سبق وصفها في مقالات سابقة بالدويلات الممزقة التي كانت تتسم بتحالف العقيدة والقبيلة عبر تاريخ اليمن بعد خروجها عن حكم الخلافة الإسلامية وبني أمية والعباس .


وفي كتابات المستشرق الفرنسي فرانسوا بورغا يصف اليمن بالنموذج الذي استوفد المؤسسات الحديثة دون أن أن يتبنى الثقافة السياسية الحاضنة حيث لم تكن الدساتير والوزارات والانتخابات لبناء دولة مستقرة ونعزو ذلك إلى أن البنية الاجتماعية التقليدية ظلت أقوى من البنية القانونية الحديثة والثانية تتمثل في غياب الإرادة السياسية وعجز االاليات الإدارية التي تتخذها في ادارة الدولة.

ولهذا بقيت الدولة اليمنية قائمة على التوازنات أكثر من المؤسسية.

وقد لاحظ عدد من الدبلوماسيين الغربيين الذين عملوا في اليمن أن الإدارات الرسمية كانت كثيرا ما تتغير بتغير مراكز النفوذ السياسي وهو ما جعل الاستقرار الإداري ضعيفا.

فالوزير لا يأتي بفريق مهني ثابت وإنما بشبكة ولاءات والوظيفة العامة تتحول أحيانا إلى أداة توازن سياسي واجتماعي وليس أنها جهاز دائم لتنمية الكفاءات والاستقرار المؤسسي وهذا ما أضعف فكرة الدولة المستمرة خارج نمطية شخصنة المؤسسات وتوريثها.

ويذهب بعض الباحثين الغربيين إلى أن اليمن لم يفشل بسبب نقص الموارد وإنما بسبب غياب المشروع المؤسسي الجامع.

إن الدولة الحديثة تحتاج إلى عقل إداري مستقل عن الصراع السياسي بينما ظلت مؤسسات الدولة والسلطة مرتبطة بالانقسام الحزبي أو المناطقي أو القبلي.

ولهذا فإن كل أزمة سياسية كانت تتحول إلى أزمة شاملة تضرب الاقتصاد والتعليم والأمن والخدمات وتخلق في اليمن نفس الأزمة بصور أخرى لكنها تتسع خروقها عنا كانت عليه قبل وقد سبق وقدمت مداخلة في عام ٢٠٠٩ تتضمن مشروعا لمواجهة أزمة اليمن واستقرارها ولكن النشوة داخل مراكز النفوذ داخل السلطة كانت المعوق الأكبر لأية مشاريع تتجه نحو أمن اليمن ووحدته واستقراره ومن ثم بدأت الأزمة بصراع النفوذ وتوسعت بعد الأزمة إلى نفوذ أكبر بدخول فاعلين جدد .

وقد كتب الدبلوماسي البريطاني تيم ماكنتوش سميث عن اليمن باعتباره بلدا يمتلك حضارة اجتماعية عميقة لكنه يعاني من فسيفساء إدارية مزمنة.

وقد أشار إلى أن المجتمع اليمني يمتلك قدرة عالية على التكيف والبقاء بينما تبقى مؤسسات الدولة ضعيفة و غير فاعلة وكأن المجتمع أقوى من الدولة وهذه واحدة من أخطر الإشكالات في بناء اليمن الحديث.

وفي تقارير غربية عديدة بعد عام 2011 تكرر الحديث عن فشل أي تسوية سياسية ذا لم تتحول إلى مشروع مؤسسي طويل المدى

بمعنى آخر أن استمرار مراكز النفوذ في السلطة الشرعية وتقاسم النفوذ الجغرافي ميدانيا لن يحقق أي نجاح لاستعادة السلطة السياسية الموحدة والمدنية .

وهنا فإن المشكلة ليست فقط في من يحكم و انما في طريقة الحكم نفسها.

فالدولة التي تقوم على مراكز النفوذ لا تستطيع أن تحقق العدالة المستقرة والدولة التي تفتقد الإدارة المهنية ستبقى ساحة للصراع الدائم على الموارد والامتيازات.

إن قراءة المستشرقين والدبلوماسيين الغربيين لليمن تشير إلى أن العالم ينظر إلى الأزمة اليمنية باعتبارها أزمة دولة غير مكتملة التكوين المؤسسي.

ولهذا فإن الحل في نظر كثير منهم لا يكمن في الاتفاقات السياسية فحسب وإنما في إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة وبين السلطة والقانون وبين الوظيفة العامة والكفاءة.

غير أن بعض القراءات الغربية وقعت أيضا في اختزال اليمن داخل صورة نمطية تركز على القبيلة والعنف والفوضى متجاهلة أن اليمن يمتلك تاريخا حضاريا عريقا وتجارب إدارية وسياسية عميقة منذ ممالك سبأ وحمير وحتى الدولة الإسلامية الحضارية و المدارس العلمية والإدارية الإسلامية.

فاليمن لم يكن غائبا عن فكرة الدولة لكنه عانى من انقطاع تاريخي متكرر في تراكمها المؤسسي بسبب الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية وغياب ثقافة المواطنة وانحدار الدين لصالح التدينات الشخصية السياسية.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام اليمن اليوم ليس فقط إنهاء الحرب وإنما في الانتقال من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسة ومن الشرعية المؤقتة إلى الشرعية النظامية ومن الولاءات الضيقة إلى مفهوم المواطنة العامة.

فالمؤسسة وحدها هي التي تستطيع أن تحمي اليمن من العودة الدائمة إلى دوائر الأزمات .

إن الدول التي لا تبني مؤسساتها الكفؤة والعادلة وفق معايير علمية تبقى رهينة الازمات والثورات والاضطرابات المزمنة.

أما الأمم التي تؤسس لدولة القانون والإدارة والكفاءة فإنها تستطيع أن تتجاوز أزماتها مهما كانت عميقة.

ولهذا فإن مأسسة اليمن ليست إصلاح إداري نطالب به فحسب وإنما هي إعادة تأسيس لفكرة الدولة نفسها بوصفها عقدا دائما بين المجتمع والنظام وليست توازن مؤقت بين القوى المتصارعة.

إن التحدي الحقيقي أمام اليمن هو في قدرتها على كسر الحلقة التاريخية التي تجعل كل أزمة مقدمة لأزمة أكبر منها .

ولن يحدث ذلك إلا عندما تتحول التجارب القاسية إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد بناء العلاقة بين السلطة والمؤسسة وبين المجتمع والدولة وبين الوظيفة العامة والمسؤولية الأخلاقية.