لم يعد الحديث عن الجنوب مجرد نقاش سياسي بين أطراف تتصارع على النفوذ والسلطة بل أصبح حديثاً عن وطن يئن تحت ثقل الأزمات ومواطن يبحث عن أبسط مقومات الحياة وسط انهيار اقتصادي وخدمي وأمني متسارع
وبعيد عن المزائدات والانتماءات السياسية الغير مجدية يجب على الجميع طرح الحقيقة على الواقع المعاش والابتعاد عن الأوهام ويؤمن بالواقع فلا وطن محرر ولا حكومة يأتي منها تنمية أو بناء ...
الجنوب اليوم يقف عند مفترق طرق خطير فبعد سنوات من الحروب والانقسامات والتجاذبات الإقليمية بات المواطن الجنوبي يدفع الثمن وحده بينما تتبدل التحالفات وتتغير خرائط السيطرة وتتوسع الخلافات السياسية والعسكرية بين القوى المتصارعة .. وتشير تقارير دولية وإعلامية إلى أن المحافظات الجنوبية شهدت خلال الأشهر الماضية تحولات عسكرية وسياسية كبيرة خصوصاً في عدن وحضرموت وأبين وشبوة وسط صراع نفوذ متصاعد بين أطراف محلية وإقليمية وشعبنا ضحية ذلك ..
لقد أصبح المواطن في عدن ولحج وأبين وحضرموت يعيش بين نارين .. نار السياسة ونار المعيشة فالكهرباء منهارة والعملة تتهاوى والأسعار تلتهم دخول الناس والثنائي البطالة والفقر يزدادان بصورة مخيفة أما الخدمات الأساسية فقد تحولت إلى أحلام بعيدة بينما يقف المواطن عاجزاً أمام واقع لا يرحم ووضع لايحسد.
وفي ظل هذا المشهد المعقد ، تتواصل الخلافات بين القوى الجنوبية نفسها الأمر الذي أدى إلى حالة من الانقسام والتوتر وعدم الاستقرار. كما أن التداخل الإقليمي في الملف الجنوبي جعل الجنوب ساحة صراع نفوذ أكثر من كونه مشروع دولة حقيقية وهو ما أكدته تقارير وتحليلات عديدة تحدثت عن تنافس سعودي إماراتي وتأثيره المباشر على الأوضاع السياسية والعسكرية في المحافظات الجنوبية.
ومع كل هذا يبقى المواطن البسيط هو الضحية الكبرى.
فلا يهمه من يحكم بقدر ما يهمه أن يجد راتباً يكفي أسرته وكهرباء لا تنطفئ وماءً يصل إلى منزله وأمناً يحفظ حياته وكرامته.
المؤلم أن الجنوب الذي كان يوماً يملك موقعاً استراتيجياً وثروات هائلة وموانئ مهمة أصبح اليوم غارقاً في الأزمات والانقسامات بينما تتبدد الفرص وتضيع الموارد في صراعات لا تنتهي... حتى الأصوات الشعبية على منصات النقاش ومواقع التواصل تعكس حجم الإحباط واليأس الذي وصل إليه الناس بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتدهورة.
إن الجنوب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات والخطابات التي لا تسمن ولاتغني من جوع .. بل يحتاج إلى مشروع إنقاذ وطني حقيقي يعيد بناء الدولة والمؤسسات ويحفظ كرامة الناس ويوقف العبث بمصير الوطن .. فالسياسة التي لا تحمي المواطن ليست سياسة والانتصارات التي لا تنعكس على حياة الناس ليست انتصارات بحد ذاتها..
ويبقى السؤال الأكبر:
إلى متى سيظل الجنوب ساحة صراع للآخرين بينما ناسه غارقون مابين الفقر المتعمد والخوف المسلط والمعاناة المصطنعة؟
التاريخ لن يرحم أحداً والأوطان لا تُبنى بالخصومات بل بالعدل والشراكة المبنية على المواطنة المتساوية والصدق مع الشعب ...وللكلام بقية لمن لديه اضافات موجعة عن وطننا الجنوب وعاصمته عدن .
جلال السويسي