الساعة 3 العصر نقلت خبر وفاة الأخ العزيز والصديق الصحفي الكبير سالم محمد الحاج، رحمة الله تغشاه، إلى الشعب اليمني في الداخل والخارج، وطبعًا يعرفون هذه الهامة الكبرى، رفيق الرئيس الشهيد الخالد سالمين. وكنت من ساعتها أبحث، ومعي الأخ العزيز المستشار العميد عبدالكريم قاسم شائف العيسائي أبو الواجب، عن سيارة إسعاف لنقل جثمانه إلى مسقط رأسه مدينة زنجبار، والحمد لله تجاوبت معنا الجهات المعنية.
لكني في الوقت نفسه، وفي مقيل الأخ العزيز الوكيل اللواء قائد عاطف، أشعر بالتعب والإرهاق الشديد للانتقال لمرافقة الجنازة، فما زلت أعاني من آثار المرض، والناس معيدة، وحرارة الجو خانقة وحارقة.. لكنه الواجب الإنساني والأخلاقي يفرض الضغط على النفس والتعب، فانطلقنا نحن والأخ عبدالكريم بعد الجنازة، وكنا على تواصل مع نجل الفقيد أمير الحاج وزوجته الوفية سورية الأصل.
قرابة الساعة قطعنا مسافة الطريق من عدن إلى زنجبار حتى وصلنا مدينة زنجبار الحبيبة، ومكان أسرة المغفور له سالم الحاج، وهو منزل والدته كما عرفت لاحقًا بالقرب من فرزة زنجبار، وهو بيت متواضع ببساطة أهل زنجبار.
قبالة المنزل استقبلنا أهل المرحوم ومن أبناء زنجبار الطيبين بكل حفاوة لم أعرفها ولم أتوقعها. رغم حزنهم كانوا محيطين بنا، وقد ربما لمعرفتهم بجهودي في الوقوف بجانبه حيًا. بدأ جناح الليل يدهمنا، دخلنا لإلقاء النظرة الأخيرة على فقيدنا، والناس البسطاء متجمعون في محيط المنزل، لكن ما أحزنني غياب أي مسؤول زنجباري أو أبيني، مع أن الخبر قد انتشر. يبدو أن مدير زنجبار الشدادي لا يعرف أو يسمع عن ابن مدينته زنجبار سالم محمد الحاج، الصحفي والسياسي المناضل، السكرتير الصحفي للرئيس سالمين، رحمة الله عليهم، ومعه الآخرين، وإلا لكان له الشرف وغيره الحضور دقائق. لكنه غياب الواجب والوازع الديني وقيم الوفاء، أحبوا ألا يعكروا صفوة عيدهم في أول أيامه، مع أنها سنة الحياة، اليوم فوق الأرض وغدًا تحتها.
عمومًا كان علينا الانتظار قرابة ثلاث ساعات حتى تجهيز الجنازة والصلاة، والذهاب إلى مقبرة جديد بسواحل، فأشرت للأخ عبدالكريم أن نأخذ جولة بالسيارة على زنجبار لاستعيد جزءًا من شريط ذكريات جميلة، وسنوات طويلة عشتها في زنجبار.
بدأنا الذهاب إلى ساحة الشهداء، لكن تفاجأت بازدحام غير متوقع ولا مسبوق في أبوابها بالباصات والدراجات النارية. حاولنا أن نشق طريقنا إلى قرابة إحدى بواباتها بالسيارة، لكن أحد الحراس اعترضنا ومنع دخولنا بالسيارة، وقال: “جنبوا السيارة وادخلوا”، كلام وقرار نهائي.
طيب، نحن مرهقون، لا نستطيع الترجل والضغط شديد، فعدنا أدراجنا وتوجهنا إلى جوار منزل المغفور له وعره عوض ماطر، وتوقفنا هناك قبالة المسجد المجاور لمنزل الشيخ طارق الفضلي. انتظرت حتى أتى نجل الفقيد لطفي، وقدمت له واجب العزاء وإن كان متأخرًا، وحاول إدخالنا البيت فاعتذرنا.
للعلم، الفقيد وعره عوض ماطر من أبرز الهامات التربوية الشهيرة وواجهات زنجبار العريقة، شغل منصب مدير عام مكتب الشباب والرياضة بالمحافظة لسنوات، وكان صديقًا عزيزًا وأستاذًا فاضلًا، رحمة الله عليه.
ودعنا لطفي ودخلنا سوق زنجبار، تذكرت زمان زنجبار المدينة التي كانت لا تنام، سنوات الطفرة والعز لقيادة محافظها التاريخي الذي لا يتكرر محمد علي أحمد. كنت ألمح وجوه الناس، أعرف معظمهم، الذين جاؤوا للسلام عليّ، الكثير فقدت أسماءهم. كنا نتحرك بالسيارة ببطء، وإلى قرب البنك المركزي لمحت بقايا وآثارًا لمشاريع ومبانٍ كانت شامخة، وصارت أطلالًا وخرابًا، منها الصالة الرياضية، وشرقًا مدينة خليجي عشرين التي بنيت في عهد المحافظ طيب الذكر المناضل الحر أحمد الميسري.
حسنًا، زنجبار لم تعد تلك التي عرفتها، تغيرت كثيرًا، وأنهك سكانها، وبحاجة اليوم إلى جهد محافظ أبين الدكتور مختار الرباش لاستعادة عافيتها وحركة الحياة فيها.
في تلك الأثناء تلقيت اتصالات كثيرة، أبرزها من المناضل السياسي العصامي علي منصر، الذي رحب بإقامة مراسم العزاء في قاعة الحزب الاشتراكي بمعلا عدن، واتصال آخر من مدير مكتب المحافظ الدكتور عبدالله الصالحي، الذي قال إن المحافظ وجه بتقديم الواجب تجاه أسرة الفقيد، بما في ذلك حجز قاعة للعزاء في مدينة زنجبار، لكن للأسف أعتقد ما في قاعات مجالس عزاء في زنجبار.
اقترب الوقت من صلاة العشاء، وفي مسجد باجنيد تمت الصلاة على جثمان الفقيد الطاهر، ونقل النعش سيرًا على الأقدام، شق سوق المدينة وإلى مقبرة جديد مسافة بعيدة، وهناك في الساعة التاسعة مساءً دُفن ابن زنجبار سالم الحاج.
ومن فوق القبر ودعنا الجميع، وعدنا إلى عدن، وفي الطريق سخرت من بعض الزملاء الصحفيين والمسؤولين الذين لم يكلفوا أنفسهم الحضور، فلا عذر لهم وقد انتشر الخبر. استثنيت الأخ المناضل محسن دوفان فقط، الذي يعاني ضعف النظر ليلًا، وكنت أتمنى أن أعود عليه، فهو ما تبقى لي والقلة من أمل لهذه المدينة الحزينة.
توجهنا إلى عدن، وصعد معنا إلى الكود الأخ العزيز العميد منصور أحمد يسلم. وصلنا عدن العاشرة مساءً في حالة من التعب، ولم نتذوق العيد إلى هذه اللحظة التي أكتب فيها السطور صباح الخميس.
رحم الله الأخ العزيز والصديق والزميل سالم محمد الحاج، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.