آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-05:53م

عبدربه منصور هادي حارس الجمهورية في المنعطف اليمني الدقيق

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 11:40 ص
سليمان العقيلي


في المشهد السياسي اليمني المعاصر، لم يكن الرئيس عبدربه منصور هادي - رحمه الله - مجرد رقم في سجل رؤساء البلاد، بل ظل علامة فارقة لرجلٍ فُرض عليه أن يقود سفينة الوطن وسط أعاصير عاتية. لقد حمل هادي على عاتقه إرثاً ثقيلاً في مرحلة تشظت فيها مفاصل الدولة، مُقدماً نموذجاً للرجل الذي اختار "الشرعية" مساراً، والدستور مرجعية، والوحدة غايةً، رغم كل التحديات التي كادت تعصف بكيان اليمن.


رجل المهمة المستحيلة


لم يكن صعود هادي إلى سدة الرئاسة طموحاً شخصياً، بل كان استجابة وطنية لضرورة تاريخية تطلبتها المبادرة الخليجية. ومنذ لحظاته الأولى في قصر الرئاسة، أدرك هادي أن مهمته ليست إدارة الحكم بقدر ما هي حماية "فكرة الدولة". تحوّل الرجل من ضابط عسكري محترف إلى مظلة توافقية، محاولاً انتشال البلاد من براثن الفوضى عبر الحوار لا المواجهة، وعبر المؤسسات لا الأفراد.


ثبات الموقف في وجه العاصفة


لعل أبرز ما يُسجل في سجل هادي السياسي هو صلابته في مواجهة الانقلاب. فقد رفض أن تكون اليمن رهينةً لأجندات ميليشياوية أو مشاريع إقليمية تهدف إلى تقويض الجمهورية. آمن هادي – كما تشير شهادات رفاقه – بأن تماسك الكيان الوطني هو خط أحمر، وأن التنازل عن الشرعية هو تنازل عن مستقبل اليمن. هذا الإيمان هو ما دفعه للتمسك بخيار "الدولة الاتحادية"، ليس كحل تقني فحسب، بل كصيغة عادلة توزع السلطة والثروة وتنهي صراعات المركز والأطراف.


مهندس الحوار الوطني


سيذكر التاريخ لهادي أنه كان الربان الذي قاد "مؤتمر الحوار الوطني"، تلك التجربة التي حاولت رسم ملامح "يمن جديد". ورغم التعقيدات، وضع هادي حجر الأساس لدستور يطمح إلى دولة القانون والمواطنة المتساوية، معتبراً أن التوافق هو السبيل الوحيد للخروج من نفق النزاعات المزمنة. لقد كان يرى في مشروع الأقاليم مخرجاً عملياً لاحتواء الهوية اليمنية المتنوعة داخل إطار الوطن الموحد.


قراءة الواقع.. وبناء التحالفات


اتسمت رؤية هادي السياسية بالواقعية الاستراتيجية؛ إذ أدرك مبكراً أن صمود الشرعية يتطلب سنداً إقليمياً قوياً، فكانت علاقته بالسعودية ركيزة استقرار حمَت اليمن من السقوط الكامل. ولم تكن هذه العلاقة مجرد تحالف سياسي، بل كانت صرخة رفض للمشروع الإيراني في المنطقة، وإصراراً على أن القرار اليمني يجب أن يظل حراً، بعيداً عن هيمنة السلاح.


الإرث: الصمود حين غاب الآخرون


يغادر هادي المشهد تاركاً خلفه سيرة رجلٍ صبر على أعباء السلطة في زمن الانهيار، حين اختار الكثيرون التنحي أو المهادنة. وبالنظر إلى مسيرته، يبقى هادي في ذاكرة أنصاره القائد الذي رفض أن يرى الجمهورية تنكسر. ورغم حدة الجدل الذي صاحب مرحلته، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي تمسكه حتى الرمق الأخير بالشرعية، محاولاً الحفاظ على ما تبقى من جسد الدولة اليمنية في أكثر فصولها دموية.