آخر تحديث :السبت-13 يونيو 2026-09:59م

وداعاً هادي... الرجل الصدوق في زمن الكذب والنفاق

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 03:19 م
عبدالرحيم المحوري


فقد اليمن قامة وطنية ظلت متمسكة بالصدق في أحلك الظروف. هادي الرئيس الوحيد الذي عندما يتكلم لا تسمع منه إلا صدقاً، فلا وعود كاذبة ولا تدليس ولا خداع. رجل لا ينطق إلا صدقاً، فليس عنده كما يقول البعض: "السياسة لا تصلح إلا بالكذب والتلون والنفاق". فقد عاش صادقاً مع شعبه في ظروف استثنائية معقدة، تكالبت عليه كل القوى الداخلية والخارجية.*


*في عهد هادي انكسر الاحتكار الزيدي الذي ظل مهيمناً لقرون طويلة عبر السادة وهمدان، ذلك الاحتكار الذي دام لأكثر من ألف سنة. ومع ذلك ظل الرجل هدفاً للاتهامات المتناقضة. فمعارضوه يتهمونه تارة بالضعف وأنه مجرد "مركوز" دون حكم حقيقي، وتارة يتهمونه بأنه هو من دمر اليمن وفك قوتها وسلمها للحوثيين ثم للتحالف. وفي هذا التناقض تتجلى بوضوح حقيقة زيفهم وحقدهم على كل ما هو جنوبي، وبالأخص أبين أرض الرجال الصناديد، أرض السياسة والحكم. ويكفي هادي أن المقولات القديمة ذكرته بالفعل، وهي ليست تنبؤات بل من أذكار الآخرين التي ذكرتها كتب الأنبياء الأولين عندما قيل: "ويل عدن من صنعاء، وويل صنعاء من دثينة". نعم، ويل صنعاء الزيدية من دثينة، وصاحب دثينة الذي استطاع أن يفك أكبر شبكة حكم عرفها التاريخ، والتي ظلت مستمرة لآلاف السنين.*


*إن كنت مؤيداً لهادي أو مختلفاً معه، فليكن الاختلاف من حيث الرؤى لا من حيث المناطقية والمصلحة الخاصة، فهادي كان واضحاً منذ البداية على مبدأ ثابت لم يتزحزح قيد أنملة رغم الضغوطات التي مر بها. فهو أراد أن يُنصف كل اليمن من ظلمتها، وليس فقط جزءاً من اليمن مثلما نحن نريد وأولهم أنا، ولكن لكل واحد رأيه الذي يراه مناسباً. وقد تجلى هذا المبدأ في مشروعه الكبير: مشروع الأقاليم الستة. فقد أنصف أهل تهامة، وأنصف أهل مأرب، وأنصف أهل تعز وإب بالدرجة الأولى وهم المقهورون المضطهدون لمئات القرون من أهل الهضبة الزيدية، قبل أن ينصف أهل حضرموت والمهرة وعدن وما حولها.*


*لمن يظن أن نظرة هادي كانت ضد الجنوب وأهله، فإن الواقع يؤكد العكس. كانت نظرته أعمق منّا نحن الذين عجزنا عندما صارت الأمور تحت أيدينا أن نقيم دولة جنوبية رغم سيطرتنا على كل شيء في أرض الجنوب. ومع ذلك ذهبنا نقول لشعبنا إننا من الصعب أن نقيم دولة في الوقت الراهن، ليثبت لنا الرئيس هادي أنه أعمق فكراً وأعلم بالمتغيرات. فما رفضناه سابقاً نتمنى حدوثه اليوم، بل صرنا نقول إننا سنعمل على ستة أقاليم جنوبية وليس إقليمين، وأننا سنعطي كل محافظة حكماً ذاتياً كامل الصلاحيات. فأين نحن من هادي ومشروعه؟ هادي أنصف شوافع الشمال فخذلوه، وأنصف أهل الجنوب فحاربوه، ليترك الساحة لمشاريعهم التي لم يستطيعوا تحريكها قيد أنملة.*


*على الصعيد الخارجي، وثق هادي في دول الخليج لمحاربة مشروع إيران، فهو أول من حذر ونبه منه، فغدرت به تلك الدول ولم يراعوا أن العهد كان مسؤولاً. ولكن اتضح له بعد حين أنهم مجرد برواز للعروبة والدين، واتضحت له الحقيقة المرة بعد ذلك أنهم لا دين يردعهم عن الغدر، ولا الأصالة، ولا مروءة العرب الأقحاح. ومع ذلك تعامل هادي مع الخارج بذكاء وبمنطق المصلحة، ودعا الدول الصديقة للاستثمار كلاً في مجال معين لتظهر المنافسة في إقامة المشاريع، وليظهر مصداقية تلك الدول في دعم اليمن إن كانت فعلاً تريد بناء ودعم اليمن. وليس هذا ببلاش بل تقاسم المنفعة، وكلاً سيستفيد. ولكن أراد الإخوة في الجوار الاستحواذ وليس البناء، لذلك أسقطوا هادي بالقوة، وأبقوه محجوزاً تحت الإقامة الجبرية حتى توفاه الأجل، ليواري الثرى بعيداً عن تراب وطنه.*


*حتى اللحظة الأخيرة ظلت الشكوك تحيط برحيله. فهادي لم يكن مريضاً، بل كان قبل ساعات من وفاته في لقاء طارئ مع القيادة السعودية، مما يثير الشكوك حول وفاته. والذي يؤكد تلك الشكوك منع نقل جثمانه إلى وطنه ليواري هناك، ولعل ذلك خوفاً من شيء ما، مثلاً أن يتم نقله إلى دولة ما لتشريح جثته لمعرفة سبب الوفاة. ومع ذلك تبقى هذه مجرد ظنون قد تصدق وقد تخيب. ولكن يبقى هادي الرئيس الصدوق مع شعبه، الغير ملوث بدمائهم. تظهر براءته وصدقه في كل كلمة يقولها في خطاباته التي يتكلم فيها دون تملق أو اختيار الألفاظ، أو الكلام البلطجي لغة الشوارع، بل تسمع كلاماً نابعاً من القلب المليء بحب اليمن، والمليء بالقهر والهموم من تخاذل الكثير من أبنائه ضد بلدهم.*


*لم يكن هادي رجل تصفيات وانتقام، فهو لم ينشئ خلايا التصفيات لتصفية الخصوم، بل كان مهدداً كل ساعة وحين من هؤلاء العملاء والمرتزقة. وما حدث في العرضي ليس بخافٍ على أحد، والذي أظهر فيها الرئيس هادي شجاعة قلّ أن تجدها لرئيس.*


*وداعاً هادي، فقد كنت أباً للجميع دون استثناء، وكنت تحلم باليمن السعيد أن يعود سعيداً كما كان، لكن الكل خذلك. وداعاً هادي الرجل الصدوق في زمن الكذب والنفاق. وداعاً هادي الرجل الذي لم يفرط في شبر من أرض الوطن، بينما الآخرون من قيادة البلد تسابقوا كلٌ يعرض بضاعته بأبخس ثمن*