آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-05:53م

الرئيس عبدربه منصور هادي.. مرحلة معقدة وتحالفات مفخخة

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 05:29 م
د.حافظ قاسم القطيبي

د.حافظ قاسم القطيبي


رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي وغفر له.

تولى رئاسة الجمهورية اليمنية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا وخطورة في تاريخ اليمن الحديث، عقب أحداث عام 2011 والمبادرة الخليجية التي جاءت كمخرج سياسي لأزمة كادت تعصف بالدولة اليمنية بالكامل. وقد جرى انتقال السلطة من الرئيس السابق إلى نائبه عبر انتخابات توافقية شبه صورية في فبراير 2012، وسط صراع محتدم بين مراكز القوى التقليدية في صنعاء.


منذ اللحظة الأولى وجد الرئيس هادي نفسه محاصرًا بتوازنات معقدة وضغوط متضاربة من مختلف القوى السياسية والعسكرية والقبلية. وكان حزب الإصلاح، المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، من أكثر القوى تأثيرًا في تلك المرحلة، إذ تعامل مع صعود هادي باعتباره نتاجًا مباشرًا لدعمه السياسي، وبرزت آنذاك عبارات ذات طابع ضاغط مثل: “نحن من أوصلناك ونحن من ننزلك”، في ظل توسع نفوذ الجماعة داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، خاصة مع وجود رئيس حكومة يتبعهم.


بدأ الرئيس هادي مشروع هيكلة القوات المسلحة، وركز بصورة أساسية على تفكيك مراكز القوة المرتبطة بالرئيس السابق علي عبدالله صالح، رحمه الله، خصوصًا قوات الحرس الجمهوري. غير أن تلك الهيكلة، التي كان يُفترض أن تؤسس لجيش وطني متوازن، انتهت عمليًا ـ وفق رؤية كثير من المراقبين ـ إلى توسيع نفوذ القوى المحسوبة على حزب الإصلاح داخل المؤسسة العسكرية.

ويبدو أن الرئيس هادي ووزير الدفاع آنذاك اللواء محمد ناصر تحركا بدافعين رئيسيين: الأول الخشية من بقاء القوات الموالية لصالح كقوة قادرة على الانقلاب على المرحلة الانتقالية، والثاني الضغوط السياسية القادمة من حزب الإصلاح الذي كان يرى في تفكيك تلك القوات فرصة لترسيخ نفوذه.


غير أن هذا المسار حمل في داخله أخطاء استراتيجية عميقة؛ إذ كان من الممكن ـ بحسب تقديرات عدد من المتابعين ـ أن يشكل التحالف المرحلي مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح خيارًا أقل كلفة من ترك المجال مفتوحًا أمام هيمنة تيار سياسي واحد على مفاصل الدولة. كما أن الرئيس هادي لم ينجح في بناء فريق سياسي وعسكري متماسك يدين له بالولاء المباشر ويحمي مشروعه الوطني.

وكان من أبرز الخسائر التي تعرض لها مشروع الدولة آنذاك غياب شخصيات عسكرية مهنية قوية في صنعاء، مثل اللواء الركن سالم قطن، الله يرحمه، الذي كان يُنظر إليه كأحد القيادات القادرة على حفظ التوازن داخل المؤسسة العسكرية. إذ تم تعيينه في المنطقة الجنوبية ثم اغتياله في يونيو 2012 شكل ضربة كبيرة للدولة وللرئيس هادي شخصيًا.


برزت معركة عمران كواحدة من أخطر المحطات التي كشفت هشاشة الدولة والانقسام العسكري. فقد كانت قيادات في حزب الإصلاح تطالب الرئيس هادي بالتدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين، رغم أن جزءًا واسعًا من القوات المحسوبة على الحزب لم يكن يخضع فعليًا لوزارة الدفاع، ومن بينها قوات لواء القشيبي. وهنا ظهر التناقض الكبير في بنية السلطة؛ إذ كان حزب الإصلاح يطالب الرئيس بالحسم بينما كان يحتفظ بقواته ونفوذه خارج الإطار المؤسسي للدولة.


ومع استمرار الانقسامات والصراعات وتفكك مراكز القرار، سقطت صنعاء بيد جماعة الحوثي في سبتمبر 2014، وتعرض الرئيس عبدربه منصور هادي لاحقًا للاحتجاز والإقامة الجبرية، لتدخل اليمن بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا واضطرابًا ما تزال تدفع ثمنها حتى اليوم.


ويرى كثير من المراقبين أن الرئيس هادي لم يمتلك دائرة سياسية وإدارية متماسكة؛ إذ تعرض لخذلان من شخصيات منحها الثقة والدعم، ومن بينها محافظ عدن آنذاك عبدالعزيز بن حبتور، إضافة إلى حالة التباين التي أحاطت بمراكز القرار، وهو ما أضعف قدرة الرئاسة على إدارة الصراع المتسارع داخل الدولة.


وفي الجنوب كان الرئيس هادي يحمل رؤية تقوم على مشروع الدولة الاتحادية باعتباره الحل الأكثر واقعية لمعالجة القضية الجنوبية ضمن إطار سياسي يحافظ على وحدة الدولة ويعيد توزيع السلطة والثروة بصورة عادلة. ومن هذا المنطلق، فتح الباب واسعًا أمام القيادات الجنوبية، سواء من قيادات المقاومة أو الحراك الجنوبي، ومكّن عددًا كبيرًا منهم من الوصول إلى مواقع مؤثرة في الدولة والمؤسسات الأمنية والعسكرية.


وخلال لقاءات عقدها في قصر معاشيق بعدن مع شخصيات جنوبية من ردفان والضالع ويافع، تحدث الرئيس هادي بصراحة عن طبيعة الموقف الإقليمي والدولي، مؤكدًا أن العالم ليس مستعدًا لدعم مشروع الانفصال، بل يدفع باتجاه صيغة الدولة الاتحادية باعتبارها الإطار الأكثر قبولًا واستقرارًا. وحث تلك القيادات على العمل ضمن هذا المشروع، واعدًا بتمكين الكفاءات الجنوبية في المناصب السيادية والعسكرية والإدارية لبناء دولة حديثة ومؤسسات حقيقية.


وفي هذا السياق، اتخذ الرئيس هادي قرارات عكست حجم الانفتاح والثقة التي منحها للقيادات الجنوبية؛ إذ عيّن اللواء عيدروس الزبيدي محافظًا لعدن، وناصر الخبجي محافظًا للحج، كما عيّن شلال شائع مديرًا لأمن عدن، إلى جانب تعيين عدد من القيادات العسكرية والأمنية الجنوبية في مواقع حساسة. وقد اعتبر كثيرون تلك القرارات انفتاحًا سياسيًا غير مسبوق، ودعمًا واسعًا للقضية الجنوبية.


لكن تطورات المرحلة اللاحقة أظهرت ـ بحسب رؤية عدد من المتابعين ـ أن تلك القيادات لم تُقدّر حجم التمكين السياسي والعسكري والإداري الذي منحها إياه الرئيس هادي، ولم تتعامل مع تلك المناصب بوصفها فرصة تاريخية لبناء دولة مؤسسات حقيقية في الجنوب، بقدر ما اتجهت بعض القوى إلى المماحكات السياسية واستعداء الرئيس هادي نفسه، الأمر الذي أسهم لاحقًا في تعميق الانقسامات.

لقد كانت تجربة الرئيس عبدربه منصور هادي تجربة حاولت الانتقال إلى مشروع جديد في ظل صراع داخلي وإقليمي مفتوح، وانقسامات عسكرية وحزبية عميقة، وتحالفات متغيرة لم تسمح بقيام مركز وطني قوي قادر على حماية المرحلة الانتقالية أو بناء مؤسسات مستقرة. وبين ضغوط مراكز القوى في الشمال وتعقيدات الجنوب، وجد هادي نفسه يقود دولة مثقلة بالأزمات، بينما كانت القوى المتصارعة تتعامل مع المرحلة باعتبارها معركة نفوذ لا مشروع بناء دولة.