آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-06:13م

هل سينصفه التاريخ بعد ان ظلمته السياسة؟

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 05:57 م
د. عارف محمد الحوشبي

يرحل بعض القادة فتطوى صفحاتهم سريعا ويرحل آخرون وتبقى حولهم الأسئلة والضجيج والخصومات ولكن هناك رجالا يرحلون ويتركون خلفهم شيئا أشبه بالحزن الوطني العميق وذلك النوع من الحزن لا تصنعه السلطة بل تصنعه نظافة اليد وصدق النوايا وثقل المعاناة التي عاشها الرجل وهو يحاول أن يحمل وطنا يتداعى من كل الجهات.


لقد رحل المشير عبدربه منصور هادي رحمه الله في زمن كانت اليمن أحوج ما تكون فيه إلى كل وطني شريف ومخلص رحل واليمن ليست بخير ولا تزال تبحث عن رجل دولة يؤمن بها أكثر مما يؤمن بنفسه ويصبر عليها أكثر مما تصبر هي عليه وقد شاءت إراد الله أن يغادر الرجل قبل أن يرى الحلم الذي أفنى سنوات عمره وهو يطارده بين العواصف والانقسامات والمؤامرات والحروب.


لقد كان هادي (رغم كل ما قيل فيه) رجلا مخلصا وصادقا ووطنيا في مواقفه وربما كانت مشكلته الكبرى أنه لم يكن بارعا في الخداع السياسي ولا محترفا في تبديل الوجوه والأقنعة فقد كان ذو عناد واضح أكثر مما ينبغي في زمن لا ينجو فيه إلا الغامضون وكان صادقا في مرحلة امتلأت بالمناورات والصفقات والولاءات المتبدلة.


عندما كان نائبا لرئيس الجمهورية في فترة وصفت فيها الدولة بأنها غارقة في الفساد وكانت أصابع الاتهام تطال كثيرا من القيادات والمسؤولين لم يسمع اليمنيون يوما اتهاما لهادي بالفساد أو بالظلم أو بالاعتداء على حقوق الناس أو بنهب المال العام بل ظل الرجل محافظا على صورة المسؤول الهادئ النظيف الذي لا يدخل في معارك المصالح ولا يتقن بناء الإمبراطوريات الشخصية على حساب الوطن ولقد استلم رئاسة اليمن في واحد من أصعب المنعطفات في تاريخ الدولة اليمنية الحديثة وكانت العاصمة صنعاء حينها منقسمة والمحافظات تتساقط خارج سلطة الدولة بعضها تحت سيطرة الحوثيين وأخرى تمزقها القاعدة والفوضى وكان الجيش كان منقسما إلى ولاءات متصارعة والدولة العميقة تتحكم بكل المفاصل فيما كانت اغلب القوى الداخلية والخارجية تحاول تشكيل المشهد بما يخدم مصالحها لا مصالح اليمن.


دخل هادي إلى الرئاسة لا بوصفه رجلا يملك أدوات القوة الكاملة بل كرجل وجد نفسه أمام وطن يتشظى وكان عليه أن يمنع سقوطه النهائي بما تبقى من الحكمة والصبر والتوازن وقد حاول الجميع تقريبا استقطابه داخليا وخارجيا وعندما فشلوا في تطويعه انقلب عليه كثيرون وبدأت سهام الهجوم تطاله من كل اتجاه وقيل عنه إنه ضعيف وإنه متردد وقيل فيه من عبارات السخرية والانتقاص ما لم يقله مالك في الخمر، فقط لأنه لم يكن الرجل الذي يبيع مواقفه بسهولة أو يوقع على ما لا يقتنع به.


لقد كان حلمه الأكبر بناء دولة اتحادية عادلة دولة تضمن الحقوق والمساواة وتحقق تقاسم عادل للسلطة والثروة بين الجميع دون إقصاء أو احتكار وكان يؤمن أن اليمن لا يمكن أن تستقر إلا إذا شعر كل مواطن فيه أنه شريك حقيقي في وطنه وكان همه أن يعود العلم الوطني ليرتفع فوق جبال مران وأن تعود الدولة لا الجماعة والمؤسسات لا المليشيات.



لم يكن هادي يمتلك فن اللعب على أكثر من حبل ولم يعرف كيف يناور كما يفعل محترفو السياسة ولم يبع وطنه بشخطة قلم ولم يساوم على قناعاته الوطنية رغم كل الضغوط وحتى يوم نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي ظل متمسكا بموقفه الوطني مؤمنا أن اليمن أكبر من الأشخاص والمناصب.


لقد تعامل مع أعظم الأزمات بحكمة وتأني وصبر حتى اتهمه البعض بالضعف والتهاون والتماهي ولكن ما إن غادر المشهد حتى أدرك كثيرون أن ذلك التأني لم يكن عجزا بل كان محاولة لتجنيب اليمن انهيارات أكبر ودماء أكثر ولقد أدركوا متأخرين أن الرجل كان يرى ما لا يرونه من الامور ويصبر على ما لا يستطيع غيره احتماله وربما كانت أكثر الأشياء إيلاما أن هادي رحل وكل أسراره معه، أسرار سنوات ثقيلة من الحروب والخلافات والضغوط والتحالفات والانكسارات، رحل وهو يحمل في صدره حكايات دولة كاملة لم يخرج ليفضح أحد ولم يحاول الانتقام من خصومه وربما لم يكتب مذكرات للتشفي أو لتصفية الحسابات.


أتذكر جيدا ذلك اللقاء في معاشيق بعدن عام 2018 عندما تشرف بلقاء قصير بزميل الدراسة في كلية الطب الدكتور عبدالله العليمي باوزير وقد كان حينها مدير لمكتب رئاسة الجمهورية قلت له يومها (إنني أتمنى استمرار بقاء الرئيس هادي في العاصمة المؤقتة عدن لأننا نشعر بالأمان أثناء وجوده) فيها فابتسم الدكتور وقال (لقد سمعت هذه الكلمة من الكثير والرئيس قرر ذلك وسيمكث هنا ليكون قريبا من الناس) لقد كانت تلك العبارة البسيطة تختصر شخصية رجل لم يكن يبحث عن صورة الزعيم البعيد خلف الأسوار والحدود بل كان يريد أن يكون قريبا من المواطنين قريبا من معاناتهم وأوجاعهم ولكن للأسف مشاكل كثيرة وصراعات داخلية صنعها أحد أطراف التحالف وضعت الكثير من العراقيل أمام بقائه واستقراره في عدن وسعت لإظهاره بمظهر العاجز لأنه لم يحقق لها ما تريد.


مهما اختلف الناس حوله سيبقى التاريخ أكثر إنصافا له من السياسة وسيذكر عبدربه منصور هادي كرجل نظيف اليد صادق الموقف يمني الانتماء أحب وطنه بصدق وسعى لبناء دولة اتحادية عادلة ولكن انكسر الحلم قبل أن يكتمل.


سيذكره التاريخ كقائد حمل وطنا مثقلا بالجراح ومشى به وسط حقل من الخيبات دون أن يساوم على يمنيته ودون أن يتحول إلى تاجر حرب أو زعيم مليشيا أو مشروع انتقام.



وداعاً أيها الرئيس المتعب...

وداعا يارجلا حاول أن يحمل اليمن بالقلب لا بالسلاح...

نم هادئا فقد تعبت كثيرا في وطن لم يكن رحيما بأبنائه المخلصين...

نم مطمئنا فربما سينصفك التاريخ يوما بعدما ظلمتك السياسة كثيرا وربما ستبكيك اليمن أكثر حين تدرك متأخرة أنها خسرت رجلا لم يكن يبحث عن مجد لنفسه بل عن وطن للجميع.


د. عارف محمد الحوشبي