آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-01:10ص

ماهي المناعة ضد الفهم؟

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 10:31 م
د. أحمد بن اسحاق

حين وصف الرئيس الراحل علي عبدالله صالح نائبه عبدربه منصور هادي بأنه "يمتلك مناعة ضد الفهم"، ظن كثيرون يومها أن العبارة ليست سوى سخرية سياسية عابرة أطلقها رجل اعتاد التلاعب بالكلمات والخصوم. لكن بعد كل ما جرى لليمن خلال العقود الماضية، يعود السؤال اليوم بإلحاح أكبر من أي وقت مضى:

هل كان ذلك الوصف تجنياً وظلماً للرجل؟

أم أن الأحداث أثبتت أن العبارة كانت توصيفاً سياسياً دقيقاً ومخيفاً؟

اليوم، وبعد إعلان وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي ودفنه في الرياض بعيداً عن وطنه، تتوالى برقيات التعازي ومقالات المديح وعبارات "قضى عمره في خدمة الوطن"، وكأن اليمن عاش في عهده عصر ازدهار واستقرار لا سنوات انهيار وضياع.

لكن بعيداً عن النفاق السياسي المعتاد عند موت الحكام، يحق لليمنيين أن يسألوا:

حين جرى اختيار هادي بعد حرب 1994 ليكون "الوجه الجنوبي" في سلطة المنتصر، هل كان بالفعل ممثلاً منصفاً للشريك الجنوبي؟

هل استطاع أن يخفف شعور الإقصاء الذي اجتاح الجنوب بعد الحرب؟

أم أنه تحول إلى مجرد غطاء سياسي يمنح شرعية شكلية لواقع جديد فرض بالقوة؟


ثم جاءت ثورة الشباب عام 2011، وبدلاً من أن تتحول إلى لحظة تأسيس تاريخية لدولة جديدة، انتهت بالمبادرة الخليجية التي نزعت القرار اليمني من يد اليمنيين، وأعادت تدوير النظام نفسه بوجوه مختلفة.

فهل كان قبول هادي بالمبادرة الخليجية إنقاذاً لليمن؟

أم أنه شارك، بقصد أو دون قصد، في دفن أول فرصة حقيقية لبناء دولة حديثة؟

وهل كان يدرك أن تلك التسوية الهشة ستفتح أبواب البلاد للتدخلات الخارجية والصراعات المسلحة والانقسامات التي ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم؟

أم أن ما وصفه عفاش بـ"المناعة ضد الفهم" جعله غير قادر على رؤية ما كان يتشكل أمامه؟

ثم سقطت صنعاء.

سقطت العاصمة، وسقط معها الجيش والدولة والمؤسسات، في واحد من أكثر المشاهد إذلالاً في التاريخ اليمني الحديث.

لكن أين كان الرئيس؟

كيف قاوم الانقلاب؟

ماهي المعارك التي قادها؟

ماهي المواقف الحاسمة التي اتخذها لمنع سقوط الجمهورية؟

هل كان يقاتل دفاعاً عن الدولة؟

أم كان أول الهاربين من المشهد تاركاً البلاد للفوضى والمليشيات؟

ثم بدأت حرب "استعادة الدولة"، وبقي الرجل قرابة عقد كامل في الرياض.

فهل كان ذلك الاعتكاف الطويل ضرورة سياسية لحماية الشرعية؟

أم أنه كان أحد أهم أسباب انهيارها؟

هل كان وجوده في الخارج يوحد القوى المناهضة للحوثيين؟

أم أنه ساهم في تحويل البلاد إلى جزر متصارعة ومليشيات متعددة الولاءات؟


وخلال كل تلك السنوات، ماذا قدم لليمنيين سوى بيانات باهتة وخطابات متقطعة وصمت طويل؟

ثم جاءت اللحظة الأخطر:

التخلي عن آخر ما تبقى من الشكل الدستوري للجمهورية اليمنية، حين تحولت رئاسة الدولة من مؤسسة انتخابية إلى ترتيبات تعيين جرت تحت الوصاية الخارجية.

فهل كان قبوله بنقل السلطة "حكمة سياسية" لتجنيب البلاد مزيداً من الانقسام؟

أم أن الأمر لم يكن سوى خديعة سياسية مرت عليه بسهولة، تؤكد من جديد الاتهام القديم بأن الرجل كان يمتلك بالفعل "مناعة ضد الفهم"؟

واليوم، ينتهي المشهد بطريقة رمزية مؤلمة.

رجل حكم اليمن، أو قيل إنه حكم اليمن، يُدفن خارج وطنه.

لا في صنعاء، ولا في عدن، ولا في أبين التي خرج منها.

فما الذي منع عائلته من نقله ليدفن في تراب بلاده؟

هل كانت الظروف الأمنية؟

أم الحسابات السياسية؟

أم أن اليمن الذي عاش عمره كله تحت اسمه لم يعد يرى فيه رمزاً يستحق العودة الأخيرة؟

وهل يعقل أن يكون مصير رئيس يمني أن ينتهي في جناح فندقي ثم في مقبرة خارج الوطن، بينما تستمر الامتيازات والصرفيات والحمايات لعائلته؟

ربما لن نجد إجابات واضحة لكل هذه الأسئلة.

وربما سيواصل كثيرون ترديد عبارات التمجيد المعتادة عند موت الرؤساء.

لكن يبقى السؤال الذي سيطارده التاريخ طويلاً:

هل كان عبدربه منصور هادي ضحية مرحلة معقدة تجاوزت قدراته؟

أم أن اليمن دفع ثمناً كارثياً لأن رجلاً قيل عنه ذات يوم إنه يمتلك "مناعة ضد الفهم" وجد نفسه على رأس دولة تتهاوى؟

أترك الإجابة لك عزيزي القارئ.