لقد كان للجنوب موعد مع النصر موعد صاغته تضحيات الرئيس عبدربه منصور هادي ، حينما وقف في تلك اللحظة التاريخية ليسلّم مفاتيح الجنوب لأبنائه ، لحظة تجلت فيها شجاعة القرار السياسي وفتحت الأبواب على مصراعيها ليكون الجنوبيون هم الأسياد فوق جغرافيتهم ، وأصحاب الكلمة في تقرير المصير !
كانت فرصه ذهبية منحها الرئيس هادي للجنوب بامتياز مع درجة الشرف ، فرصة تبسمت فيها أرواح الشهداء الذين سقطوا في الساحات و الميادين ، وبالتالي ضاع الجنوب وضاعت قضيته وتنكروا للرئيس وهاجموا شرعيته ، ليجد المواطن البسيط نفسه ضحية الأحزمة والنخب التي اؤتمنت على معايشه وحياته وعلى أرض الجنوب !
سيكتب التاريخ يوماً بمداد من أسف وألم على الجنوبيين عندما تمردوا على الرئيس هادي ، حين أتى يحمل مشروعاً وطنياً لأبناء الجنوب ، كان مشروع في إطار توافقي بضمانات أممية ، وجلس الجنوبيون ذات يوم كطرف قوي وندّ حقيقي في مؤتمر الحوار الوطني الشامل وانتزعوا اعترافاً بنقاط الإنصاف وبصياغة دولة اتحادية ، تمنح الجنوبيين حكم أرضهم وإدارة ثرواتهم بعيداً عن مركزية صنعاء ، ولكن للأسف فضل الكثيرون البقاء في خنادق الماضي المريض !
يخطئ من يظن أن السياسة الدولية تدار بالعواطف أو بالحشود في الساحات ، العالم لازال يتعامل مع المواثيق وتحت سقف شرعية هادي الذي مثل قارب نجاة للجنوبيين وخرقوه فماذا تبقى من شرعيته بعد أن عصوها وتركوها ، فالأن بمقدور أي قوة إقليمية كانت أودلية أن تتجاوز الجغرافيا الجنوبية وتتعامل مع سلطتها على إنها مليشيات خارجة عن النظام و القانون !
غابت الخدمات وغابت معها الميزانيات الرسمية للدولة ، وتحول الخطاب الدولي من التعامل مع دولة ذات سيادة إلى التعامل مع أطراف متصارعة على فتات السلطة ، لقد حاربتم هادي بذريعة أنه لم يمنح الاستقلال الكامل ، فخسرتم بذهابه الشرعية وعدم قدرتكم على إدارة اي مؤسسة من مؤسسات الدولة ، ليس ذلك فحسب بل أصبح الجنوب من شريك شرعي إلى طرف تفاوضي ، لأنه فقد الفيتو القانوني الذي وضعه الرئيس هادي وقدمه لدولة الجنوب على طبق من ذهب !
لقد وقف الرئيس هادي في منطقة رمادية بالغة الخطورة أمام المجتمع الدولي ، أثناء دافعه على الجنوب تحت مظلة الدولة اليمنية الموحدة ، كل هذا كان بدهاء سياسي وعمق استراتيجي كبير ، أدرك الجميع متاخرين بعد أن وارى جثمانه التراب أن هادي كان هو الشرعية وأن الشرعية كانت هادي ، ليحزن الوطن على فراقه ويتقاسمه من بعده أمراء الحرب وتتجاذبه المشاريع الضيقة ، في زمن أصبح فيه البحث عن دولة في الجنوب كالبحث عن سراب في صحراء يحسبه الظّمآن ماء !