بقلم/ اللواء علي حسن زكي
في عام 2016م كان سعر صرف الدولار 250 ريالًا يمنيًا، وتبعًا له كانت العملة المحلية والمرتبات، على ضآلتها، تحتفظ بقدرتها الشرائية ويتم دفعها في مواعيدها. وكانت أسعار المواد الغذائية والتموينية والأدوية والملابس والوقود والمحروقات وغاز الطبخ ومستلزمات الأطفال متدنية، كما كانت خدمات المياه والكهرباء والنظافة وصحة البيئة والصحة العامة والتعليم مستقرة قياسًا بأحوال اليوم.
في العام الماضي وهذا العام، وفي الوقت الذي كان الناس يتوقعون فيه سيادة الحياة المدنية، بل ويتطلعون إلى أوضاع أفضل وأحوال أحسن، يواجهون ما هو أقسى وأصعب، ولا يحس به إلا المواطن الواقع تحت وطأة معاناته.
فسعر صرف الدولار، وبالرغم من هبوطه، ليس مقارنة بسعره عام 2016م، فالفارق شاسع، ولكن قياسًا بما كان قد وصل إليه من ارتفاع مؤخرًا، لم ينعكس
على الأسعار في الأسواق، حيث لا تزال تراوح مكانها قبل الهبوط، والمواطن هو من يتجرع مرارتها.
ويترافق ذلك مع فقدان دخول الناس لقدرتها الشرائية مقارنة بالارتفاعات السعرية، وكذلك المرتبات، ناهيك عن ضآلتها. فمتوسط راتب الموظف أو العسكري خمسون ألف ريال، وماذا عساها أن تفعل؟! فضلًا عن عدم وصولها في مواعيدها، فمنتسبو الجيش والأمن العام استلموا راتب فبراير مع نهاية مايو الحالي.
كما أن السلطات المحلية في بعض المحافظات منحت المعلمين حافزًا شهريًا قدره خمسون ألف ريال لمن هم في الميدان، واستثنت بعض من هم خارجه، منهم مقعدون بسبب أمراض مزمنة، وبعضهم في أعمال إدارية أفنوا أعمارهم في ميدان التدريس، فضلًا عن سقوط أسماء موجودين في الميدان، وهو ما ولّد استياءً مجتمعيًا لدى العامة، ولسان حالهم يتساءل: لماذا لا تقوم السلطات المحلية بتوريد مبالغ الدخل المح
لي إلى حسابات البنك المركزي وفقًا لقرار الحكومة ليتم تسخيرها، ليس في إضافة الحافز إلى مرتبات الكل الأساسية ليكون في إطار حق مكتسب، ولكن ليشمل تحسين مرتبات بقية موظفي الدولة أيضًا؟
أما الخدمات الاجتماعية الأساسية فهي في أسوأ أحوالها؛ فانقطاعات الكهرباء والمياه مستمرة، ومتزامنة مع اشتداد حرارة الصيف غير المسبوقة.
والأفجع من كل ذلك، ومضافًا إليه، تحرير سعر صرف الدولار الجمركي وأثره على استيراد البضائع والتخليص الجمركي وانعكاساته على الأسعار، بل وربما استغلاله من قبل التجار في مضاعفة ارتفاعات أسعار البيع في السوق.
وقد قال مصدر في الحكومة إن تحرير سعر الصرف الجمركي لا يشمل المواد الأساسية، دون أن يعطي الناس تفصيلًا لها. وإن صح ذلك، فإن الناس لا تأكل فقط الأرز والدقيق والسكر، بل هناك متطلبات أخرى مكملة لقائمة الغذاء، ولو في حدود متطلبات عيشة الكفاف.
والأكثر خطورة أن ينعكس تحرير سعر الصرف الجمركي على ارتفاع أسعار الأدوية، التي صارت بالنسبة للمصابين بالأمراض المزمنة جزءًا من حياتهم اليومية، بما في ذلك أدوية وألبان الأطفال ومستلزماتهم الطبية، وملابس الطلاب ومستلزماتهم الدراسية كذلك. وفي السياق نفسه ترتفع أسعار الوقود والمحرو
قات وغاز الطبخ وتكاليف النقل وأجور المواصلات، ويبقى المواطن، في كل الأحوال، هو الضحية.
في ظل أوضاع كهذه، وهي غيض من فيض، لا صوت ملموس على أرض الواقع، وكأن ما يجري لا يهم من يفترض فيهم الدفاع عن حقوق أبناء شعب الجنوب في معيشته وخدماته وكل حقوقه في العيش والحياة، من أحزاب ونقابات ورجال قانون وصحافة وإعلام ومكونات سياسية ومنظمات المجتمع المدني، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي وقيادته بصفته الحامل السياسي لقضية شعب الجنوب وممثله في استعادة دولته، ومن منطلق أن حق الناس في الحياة والعيش الكريم يندرج في صلب أولويات القضية، وأن استعادة الدولة لأجلهم ومن أجلهم، وإن لم يكن كذلك فماذا عساها تكون القضية مكتملة؟ ولمن سيتم استعادة الدولة؟ ومن أجل من؟
ترى، والحال كما سلف استعراضه، من ينقذ الناس من جور أوضاعهم المعيشية والخدمية القاسية والمؤلمة؟…