آخر تحديث :الأحد-31 مايو 2026-01:24م

التدخلات الخارجية والقرار الوطني اليمني .. عندما تصبح السيادة رهينة للمصالح

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 11:37 ص
غالب منصور


بقلم / غالب منصور


لم تعد قضية التدخلات الخارجية في اليمن مجرد اتهامات سياسية متبادلة أو شعارات ترفعها الأطراف المختلفة بل أصبحت واقعاً ملموساً فرض نفسه على تفاصيل المشهد اليمني بكل تعقيداته فخلال سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة تعرض القرار الوطني اليمني لتآكل غير مسبوق حتى باتت كثير من القضايا المصيرية تدار وفقاً لموازين القوى الإقليمية والدولية أكثر مما تُدار وفقاً لإرادة اليمنيين ومصالحهم الوطنية .

لقد دفعت اليمن ثمناً باهظاً نتيجة تحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات والصراعات الخارجية فبدلاً من أن تكون القوى السياسية اليمنية صاحبة القرار الأول والأخير في تحديد مستقبل البلاد أصبحت العديد من الأطراف تدور في فلك داعميها الخارجيين وتربط مواقفها السياسية والعسكرية بحسابات لا علاقة لها بمعاناة المواطن اليمني ولا بطموحاته في الأمن والاستقرار والتنمية .

إن أخطر ما أفرزته التدخلات الخارجية ليس فقط إطالة أمد الحرب بل ضرب مفهوم الدولة الوطنية في الصميم فقد أدى تعدد مراكز النفوذ وتضارب الأجندات الخارجية إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الانقسامات السياسية والجغرافية وتحويل بعض القوى المحلية إلى أدوات لتنفيذ مشاريع تتجاوز حدود المصلحة الوطنية .

وإذا كانت القوى الخارجية تبرر تدخلاتها بحماية مصالحها الاستراتيجية أو دعم حلفائها المحليين فإن النتيجة على الأرض كانت كارثية بالنسبة لليمن فالحرب طالت والاقتصاد انهار والخدمات تراجعت وملايين المواطنين وجدوا أنفسهم ضحايا لصراع لا يملكون قرار إشعاله ولا قرار إيقافه .

لقد أثبتت التجربة أن أي مشروع سياسي يعتمد على الخارج أكثر من اعتماده على الحاضنة الوطنية محكوم عليه بالفشل كما أثبتت أن الارتهان للخارج لا يصنع دولة مستقرة بل ينتج كيانات هشة تتصارع فيما بينها وفقاً لتغير المصالح والتحالفات الإقليمية والدولية .

إن استعادة القرار الوطني اليمني لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وإنما عبر مراجعة شاملة لمسار العمل السياسي والاعتراف بأن استمرار التبعية للخارج يمثل أحد أكبر معوقات بناء الدولة كما تتطلب هذه المهمة الشجاعة الكافية لوضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والشخصية والفئوية وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية باعتبارها المرجعية الوحيدة لإدارة شؤون البلاد .

واليوم وبعد سنوات من الصراع والاستنزاف بات السؤال الملح : إلى متى سيظل اليمنيون يدفعون ثمن الصراعات الخارجية على أرضهم ؟ وإلى متى سيبقى القرار الوطني أسيراً للتجاذبات الإقليمية والدولية ؟

إن بناء يمن آمن ومستقر يبدأ من تحرير الإرادة الوطنية من كل أشكال الوصاية والارتهان وإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة باعتباره حقاً أصيلاً للشعب اليمني لا يقبل المساومة أو التجزئة فالدول لا تبنى بالتبعية والأوطان لا تدار بالإملاءات والقرار الوطني لا يكون وطنياً إلا عندما يصنعه أبناء الوطن بإرادتهم الحرة بعيداً عن أي نفوذ أو تدخل خارجي .