منذ أن أدرك اليهود أن شتاتهم كان مصدر قوتهم فاتخذوه طريقا لبناء دولتهم القومية منذ العصر اليوناني الذي غيروا فيه معالم ثقافته من خلال تديينه عبر الفيلسوف الغنوصي أفلوطين السكندري وما إن تمكنت هذه الثقافة من تهجين الثقافة اليونانية المعروفة بحراكها الفكري حتى سقطت حضارتها لروما الفروسية والنبالة والتي دخلت في صراع ثقافي ملتهب مع اليهود وحينها كان اليهود يقفون إلى جانب الدولة الساسانية.
ويعد تاريخ اليهود من أكثر التواريخ ثراء لفهم الصراعات والعلاقات والمصالح الدائمة التي صاغها هني كسينجر وجعلها من أهم محددات السياسة الأمريكية .
أما درزئيلي فيعد أهم نموذج لتوطين الاستقرار الاجتماعي .
وقد تمكن اليهود من تأسيس فقه المظلومية عبر التاريخ من السبي البابلي وحتى الهولوكوست وجعلته ثقافة إنسانية سامية بامتياز .
وبذلك صنعت إسرائيل نفوذا عالميا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على أساس مظلومية الهولوكوست الحديثة وتمكنت به من توطين نفسها في عمق الفكر الديني البروتستانتي ومذاهبه والانجيلكانية وقرائنها ومن ثم اوجدت عقيدة الألفية التي صورت المسيحيين وفقا لفتاوى لوثر الأصولية قبل أن يتراجع عنها بعد ذلك .
ومع انه تراجع عن مدحه لليهود الا أن مقولته الأولى لم تنسخ كليا وهو ما جعلها من أهم مراجع التأسيس لمعتقدات عودة المسيح وحملة احجار المعبد الذي يقوده ترامب منذ اعترافه بالقدس ونقل السفارة الأمريكية إليها.
هذا النفوذ لم يكن دينيا فحسب وإنما كان النفوذ من أهم أدوات بناء الفكر الاقتصادي والمالي وتحولات المجتمعات من نظام الإقطاعية الكلاسيكية إلى نمط البرجوازية قبل أن تتحول إلى موجة شديدة القسوة على الطبقات الكادحة والمتوسطة فيما يعرف بالرأسمالية المتوحشة التي كانت بدايتها ناعمة .
ومن ثم تحولت حرية التعبير وتنوع الثقافة وتعددها من فضاء جدلي يسوده اامنافسة ويحقق التوازن بين الأفكار المتناقضة إلى حالة أيدلوجية موجهة بحماية القانون وهو ما أدى إلى اتساع ساحة الجهل الثقافي والفكري وفي المقابل صاحبها توسع في حرية الاغواء والتفاهة والبذاءة وحتى القتل الرحيم وجاهلية المعتقدات الشخصية واتساع ساحة ثقافة العنف باسم الإنسانية مرة وحدها باسم الدين أخرى.
ومن ثم فإن المظلومية التي صنع النفوذ الإسرائيلي عالميا أصبح يهدد مصالح القوى الاستعمارية القديمة في المنطقة ويهدد حلفاءها التقليديين في الإقليم وغداء حلفاء الأمس من تحت الرماد في مرمى الوقود اليوم .
وهنا لم تعد صورة إسرائيل في الإقليم كما كانت قبل عقدين أو منذ اتفاقية كامب ديفيد التي سعت من خلالها للبحث عن السلام المشترك .
أما اليوم فقد فرضت على الجميع مفهوم السلام الإسرائيلي ذلك السلام الذي تصنعه بالقوة على حساب حلفاء الأمس بل وضد إرادة التاج البريطاني التي غرستها بوعد بلفور.
إن المشروع الذي قام على التفوق العسكري والدعم الغربي المطلق الذي أوجد حالة ردع نفسي وسياسي في المنطقة بدأ يواجه تحولات عميقة تتجاوز حدود الحرب المباشرة إلى أزمة شرعية وازمة نفوذ وتشوها للصورة الحضارية التي خلقها كتبة المتحولين والعلمانيين اليهود المثقفين صانعي الفكر والنظام الاقتصادي الغربي.
لقد اعتقدت إسرائيل أن موجة التطبيع العربي ستؤسس لشرق أوسط جديد تكون فيه القوة المركزية اقتصاديا وأمنيا وتكنولوجيا وأن القضية الفلسطينية ستتحول إلى ملف ثانوي يمكن تجاوزه عبر الزمن والوقائع الجديدة وسياسة التحالف الأمريكي الإسرائيلي الذي وصل الذروة وهي أعلى مراحل العلاقات التي ليس بعدها الا التراجع وربما التخلي وهو ما تخاف منه الحكومة الإسرائيلية التي لم تجد راع جديد بقوة أمريكا للدفاع عنها وحمايتها وهذا كله دفعها نحو استعمال القوة الأمريكية الإسرائيلية لضمان بقائها في المنطقة حيث رأت أن تتجه بعد العراق إلى إيران ثم تتجه نحو تركيا ومن ثم إلى مصر والسعودية وما دون ذلك من الدول يمكن تجاوزها عبر صوملتها بحروب أهلية مزمنة.
لكن السنوات الأخيرة كشفت أن التطبيع السياسي لا يعني بالضرورة تطبيعا شعبيا أو ثقافيا أو حضاريا وأن التطبيع باتفاقية كامب ديفيد لم تغير الانطباع الشعبي للعامة ولم تستطع الآلات الفكرية والاعلامية نسخ هذه الرؤية والقناعة الراسخة.
ومما أدى الى هدم البيت الابراهيمي الذي روج له رجال الدين الإسلامي نفسيا ومعنويا وفكريا وثقافيا الحروب المستمرة على الشعب الفلسطيني .
إن كل حرب أو مجزرة أو حصار أصبح محركا ثقافيا لاعادة ابتعاث الوعي الشعبي العربي والإسلامي بالقضية الفلسطينية بل كما تحدثت سابقا أن شرعة الأنظمة بدأت بالاهتزاز لا سيما وأنها لم تستطع أن تخلق الرفاه لشعبها بعد زعمها التخلي عن فلسطين ولم تستطع أن تتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية متعمقة في الوجدان الشعبي حتى وإن حاولت مناهج التعليم طمسها لأن القضية متمركزة بالنص القرآني والسنة النبوية.
وهنا تكمن إشكالية التطبيع لأنه قد يكون من الممكن تحييد العمل بالسنة عند من أراد التطبيع أو توظيف الدين عبر رجال الدين في الإسلام والذين تم زراعتهم بنفس المنهجية التي تم فيها زراعة أنبياء الألفية في المسيحية التي تقود العالم اليوم اقتصاديا ومعرفيا وماليا وثقافيا وسياسيا .
حيث حاولت كثير من النظم الرسمية صناعة قبول اجتماعي دائم بإسرائيل واحدثت موجات من التغيير الضيق وهو ما دفع باسرائيل نحو اتخاذ استراتيجيات مزدوجة وكان من صالحها التمدد الإيراني في العراق ولبنان وسوريا واليمن .
وهو ما دفعها إلى ضرب حماس أولا باعتبارها ذراعا لإيران وقد ساهمت هي أيضا من إعطاء الكيان ذريعة لضربها لأن قادتها وطننوا القضية من جهة واتخذوا من المصالح الدائمة منهجا بديلا عن المبادئ الثابتة.
ولهذا فإن أحد أخطر التحديات التي تواجه إسرائيل اليوم ليس فقط تصاعد المقاومة النفسية والروحية في العالم الإسلامي وحتى الإنساني وإنما تآكل قدرتها على إنتاج القبول الأخلاقي في المنطقة والعالم.
إن النفوذ لا يقاس بالقوة العسكرية وحدها وأن الخرائط العقائدية القائمة بالعنف تنتهي بالعنف وأن القوة المعادية تولد القوة المقاومة.
ولذلك لم تستطع المعتقدات عبر التاريخ -غير تاريخ الأنبياء- تأسيس دولة دينية بحتة دون اعتراف بالتعدد ودون وعي حضاري والتاريخ المعاصر يؤكد أن الدول التي اعتمدت على المعتقدات سواء كانت دينية أو فكرية لا تستقر ولا يمكن أن تدوم .
ومن هنا تعد الدولة هي البنية الحضارية التي أسسها الأنبياء وهي الوحيدة القادرة على على حفظ صورتها كقوة مستقرة ومشروعة وقابلة للاندماج الإقليمي والعالمي.
ومن هنا تبدو إسرائيل أمام أزمات معطلة إذ تحولت عند كثير من الأوساط الغربية من دولة ديمقراطية محاطة بالأعداء إلى قوة احتلال مرتبطة بالحروب المفتوحة والدمار الجماعي والاستعلاء القومي.
كما أن التحولات الدولية الكبرى ساهمت في إضعاف مركزية إسرائيل في الاستراتيجية العالمية.
وقد ساهمت عوامل عدة على عرقلة مشروع الهيمنة منها توجه العالم نحو تعدد الأقطاب كما أن الولايات المتحدة أصبحت أقل قدرة على فرض رؤيتها الأحادية بل واعجز من أن تواجه أحد دول العالم الثالث منفردة بقوتها العسكرية التي أصبحت عبئا على الاقتصاد الأمريكي والعالمي لنا سيما وأن الواقع الدولي يمر بمرحلة جديدة للحرب الباردة التي هي من مؤشرات تحولات النظام العالمي.
لا سيما مع صعود قوى جديدة كالصين وعودة روسيا وتنامي الفاعلين الإقليميين.
كما لم تعد إسرائيل تحتفظ بنفس الوزن الجيوسياسي المطلق الذي تمتعت به سابقا وفي الداخل الإسرائيلي تتعمق الأزمات البنيوية من انقسامات سياسية حادة و صراع بين التيارات الدينية والعلمانية وأزمة ثقة بالمؤسسات وتراجع الشعور بالأمن رغم التفوق العسكري.
لأن الدولة التي بنيت على فكرة الملاذ الآمن تواجه اليوم تحديات وجودية تتعلق بالهوية والاستقرار والمستقبل الديموغرافي والسياسي.
أما التطبيع الذي قدم باعتباره نهاية للصراع فقد تيين أنه شكلا من أشكال الترتيبات السياسية الهشة كما فسر العلاقات المرتبطة بالمصالح والضغوط الدولية والذي يهدد دول كبرى في المنطقة لصالح الهيمنة الإسرائيلية خلافا لما روج له على أنه تحولا تاريخيا مستقرا.
إن السلام الذي لا يقوم على العدالة يبقى معرضا للانفجار مع كل أزمة كبرى.
ولهذا فإن الحرب الأخيرة أعادت إحياء خطاب المقاطعة والرفض الشعبي ووسعت الفجوة بين المواقف الرسمية ومزاج الشارع العربي.
ومع ذلك فإن الحديث عن نهاية إسرائيل أو انهيارها الكامل يبقى قراءة عاطفية أكثر من كونه تحليلا سياسيا دقيقا.
لأنها ما تزال ما تزال تمتلك قوة عسكرية هائلة ودعما غربيا مؤثرا حتى من أولئك الذين يعارضونها و
كما تملك شبكات نفوذ اقتصادية وتقنية واسعة
لكن ما يتغير فعلا هو تراجع قدرتها على فرض نفسها باعتبارها نموذجا مستقرا ومقبولا وطبيعيا في المنطقة.
إن الأزمة الحقيقية ليست فقط في ميزان القوة بقدر ما هي في ميزان الاخلاف والشرعية.
فالدول قد تنتصر عسكريا وتخسر أخلاقيا وسياسيا على المدى البعيد.
ويبين التاريخ أن النفوذ الذي يقوم على الهيمنة وحدها دون عدالة أو قبول حضاري يظل نفوذا قابلا للتآكل مهما امتلك من أدوات القوة.
أما مستقبل المنطقة العربية فلن تشكله مخاضات الحروب وإنما قدرة شعوبها ودولها على بناء مشروع حضاري وسياسي مستقل يعيد تعريف العلاقة بين القوة والعدالة والسيادة والهوية.