آخر تحديث :الأحد-31 مايو 2026-07:53م

الرئيس الذي خذله المنتظم السياسي اليمني

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 02:21 م
حسين علي باهميل


في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قيمة القادة بما يحيط بهم من تصفيقٍ عابر، بل بما يحملونه من مشاريع قادرة على إنقاذ الأوطان من دوامة الانهيار. وفي التاريخ اليمني الحديث، سيظل اسم الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي حاضرًا بوصفه الرئيس الذي حمل مشروعًا حقيقيًا لإعادة بناء اليمن، لكنه اصطدم بمنتظم سياسي لم يكن مهيأً لقبول دولة حديثة، ولا راغبًا في التخلي عن إرث الهيمنة والإقصاء.

لقد كان مشروع الدولة الاتحادية الذي تبناه الرئيس عبدربه منصور هادي أكثر من مجرد رؤية سياسية عابرة؛ كان محاولة تاريخية جادة لمعالجة جوهر الأزمة اليمنية. مشروعٌ يقوم على توزيع السلطة والثروة، وعلى الاعتراف بالتنوع الجغرافي والسياسي والاجتماعي، وعلى بناء عقدٍ وطني جديد يُنهي مركزية الاستحواذ التي ظلت لعقود سببًا رئيسيًا في إنتاج الصراعات والانقسامات.

كان يدرك أن اليمن لا يمكن أن يُدار بعقلية الغلبة، ولا أن يُحكم من مركز يحتكر القرار والثروة، ولهذا جاء مشروع الدولة الاتحادية كصيغة ضامنة لكل مناطق اليمن، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، تحفظ الشراكة وتكسر احتكار السلطة وتفتح الباب أمام عدالة سياسية طال انتظارها.

لكن المأساة أن هذا المشروع لم يواجه رفض خصومه فقط، بل تآمر عليه كثيرون ممن كانوا محسوبين على الشرعية ذاتها. فقد اجتمع عليه المنتظم السياسي والاجتماعي اليمني، كلٌ لأسبابه؛ فمنهم من خاف على نفوذه التقليدي، ومنهم من رأى في الدولة الاتحادية نهايةً لامتيازاته، ومنهم من كان أسيرًا لماضٍ لا يريد لليمن أن يغادره.

حتى أولئك الذين وقفوا في واجهة الشرعية، كان بعضهم يعمل بصمت لإضعاف الرئيس، ويريد أن يجعله شماعةً يُعلق عليها الفشل، تمامًا كما أراد الحوثي التخلص منه باعتباره العقبة الأكبر أمام مشروعه السلالي الكهنوتي.

لقد ظن كثيرون أن التخلص من الرئيس عبدربه منصور هادي يعني دفن مشروعه. لكنهم لم يدركوا أن الأفكار الكبرى لا تموت برحيل أصحابها، وأن المشاريع الوطنية الصادقة تظل حية في ضمير الشعوب.

لقد بذر الرجل بذرة الدولة الاتحادية في الوعي اليمني، وغرس فكرة أن الحل ليس في الإلغاء، ولا في الاستحواذ، ولا في إعادة إنتاج الاستبداد بصور جديدة، بل في الشراكة العادلة التي تكفل لكل اليمنيين حقهم في القرار والثروة والكرامة.

ولعل من رحمة الله به أن نجّاه من أن يكون شاهدًا على حجم الانقلاب على مشروعه من القريب قبل البعيد، ومن الخصم قبل الحليف. لقد أراد البعض أن يُحمّلوه أخطاء مرحلة كاملة، بينما الحقيقة أن الرجل خُذل من طبقة سياسية اعتادت أن تهدم كل مشروع إصلاحي لأنها لا تعيش إلا في بيئة الفوضى.

اليوم، وبعد أن تكشفت الحقائق، يدرك كثير من اليمنيين أن الرئيس عبدربه منصور هادي لم يكن المشكلة، بل كان يحمل مفتاح الحل. وأن الدولة الاتحادية التي قاتلوا مشروعها، ستظل الطريق الأكثر واقعية لإنقاذ اليمن.

رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي، فقد كان رئيسًا سبق زمنه، وحمل مشروعًا أكبر من قدرة المنتظم السياسي اليمني على استيعابه.

وستظل البذرة التي زرعها قابلة للنمو، حتى يأتي اليوم الذي يقطف فيه اليمنيون ثمار دولةٍ عادلة، تحفظ للجميع حقهم، وتصون اليمن من عبث المشاريع الصغيرة.