علي عبد الكريم
مالك يا دهر؟
تجري، تجري أسرع من وقع الموت، تجتاح ما تبقى لنا من راحة التأمل، وتذكرنا بمسار الزمان. بالأمس، الأمس القريب، كان العزاء ثقيلاً على النفس، وعلى الوطن، كبيراً كبيراً، حدّاً لا متسع له. وقفنا وقفة الموت، لحظة الحزن، وأعدنا تدوير خرائط زمن مضى، وتطلعنا نبحث عن زمن آتٍ، فإذا الحزن غيم كئيب، وإذا الوطن يمزقه الحزن والشتات، وإذا الدمع تجمد في المحاجر، وإذا العيون بلهاء صامتة لا دمع فيها، لكن أحزانها تقول: كفاك يا زمناً قتلاً لنا، فقد تحملنا الكثير.
بالأمس، حزناً وألماً، تحملنا ألماً شديداً، وودعنا إنساناً له مكانة وطن، يبحث عن خلاص لأرواح زهرات الوجود. قلنا وداعاً لرئيسنا عبدربه الهمام، وبين بحر أحزان الزمان فاجأني الزمن الأرعن اليوم بخبر قاتل، يقتل ما تبقى بالروح من رمق يتنفس الصعداء. كان الخبر ثقيلاً، حط على النفس كجلمود صخر، بل ورب العزة أثقل، أثقل. مات، ارتحل إلى بارئها معلمنا وأستاذنا، انتقلت إلى بارئها روح اعتصمت بحب الناس، وبناصية المجد تهديها بروحها المعطاءة لشعب أحب، وبلد أس
كنته المقل، ولتاريخ مجيد كان من صنّاعه.
صحيح أن الموت حق، ولا راد لحكم خالق الروح وبارئها، لكننا نقول: مهلاً يا زمناً أرعن، أثقلت حياتنا بكل شيء كئيب، وما عاد فيك غير الدموع والحزن نجترهما كل ساعة، وإنها لأسوأ ما في هذا الزمن اللعين من مفاجآت.
الأمس كان ثقيلاً، واليوم يا قلبي الحزين، ورب العزة أثقل، أثقل. مات، ارتحل أستاذنا، من علّم الحرف معنى الصمت حين يرتفع الضجيج، ومن علّم الحرف متى يحين الكلام، ومن علّم الزمن معاني أن يحمل المرء راية الوطن عالية خفاقة في وجه من صبغوا وجهه بالسواد.
كنت لنا أخاً شقيقاً، وأستاذاً، ومعلماً، تشير دوماً إلى الاتجاه الصحيح. كان وجه القمر في سماء المدينة والوطن يشير: ها قد أتاكم أبو باسل. ماذا عسانا نقول؟ إن قلنا وداعاً فذلك غير كافٍ، وإن قلنا إن حزننا كبير فذاك من نافل القول. لكننا نقول، كما قلنا دوماً، ومن قلب محب: يوماً زرناك في منزلك، وكان كأنه وطن لنا جميعاً. قلناها لك: الصحة، والفرحة، والضحكة، والعمر المديد. كنت باسم الضحكات تضحك، وتقلب مدار الزمان، وترسم خارطة لوطن، وكنت ممن صاغوا عناوين أجمل ما فيه.
لكنها قاسية، نعم قاسية، حين
تأتي الرياح أحياناً عواصف، وإذا بخبر رحيلك عنا، عن مدينة تعز، وعن وطن دافعت عنه حتى الرمق الأخير.
نعم، الموت حق، لكن الحزن عنوان الوفاء، وأنت بالنسبة لنا، وللوطن، نيزك يشير إلى طريق الوطن الصحيح، ويقول: عليه سيروا، وأكملوا مشواراً بدأناه وليس له بديل.
سنكمل مشوارك أيها الراحل العزيز. كنت نعم الأخ والمعلم، وما زلت لنا وهج حرف يشير وينير لنا الطريق.
لك التحيات أجملها، ولروحك، ولتاريخك المضيء، كل التقدير والثناء. كنت رمزاً، وكنت حرفاً ينطق بالحق حين صمتت حروف غيره في غير مكانها.
أيها الراحل العزيز، لك التحية، وتعظيم السلام. يوماً ولدت، ويوماً ناضلت، ورسمت خارطة للطريق ما حدت عنها قيد أنملة، وتلك، ورب العزة، من مآثر رجال كتبوا العهد ورسموا الطريق.
أعزي فيك وطناً، وشعباً، وإخوة، ورفاق طريق. وأعزي فيك رفيقة دربك الطويل أم باسل الباسلة. حقاً نقول بملء الفم: كم كانت شعلة من ضياء الروح والوجود. يوم جئناك إلى دارك زائرين، كانت أم باسل البسمة والضحكة وعمق المعنى، تطوف المكان وتطوقه باللطف والكرم. لم نكن زواراً، بل إخوة يعرفون لماذا أتوا، ولحضرة من تجمعوا. وتلك صورة ستظل حاملة معنى أن للمرء أستاذاً بمقامك الرفيع.
وداعاً أيها الشفق.
وداعاً أيها الوطن.
وداعاً أيها النجم المضيء دوماً في سماء وطن عزيز.
معزيك الحزين
علي عبد الكريم