آخر تحديث :الإثنين-01 يونيو 2026-09:21ص

حنكة فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي

الإثنين - 01 يونيو 2026 - الساعة 03:37 ص
وضاح المحوري


عندما انتصر الدهاء على الحصار،،،

في أحلك اللحظات التي مرت بها الدولة اليمنية، وفي قلب العاصفة، التي كادت أن تعصف بالشرعية الدستورية، تجلّت حكمة الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي ودهاؤه السياسي الذي أذهل خصومه قبل مناصريه.

بعد اجتياح ميليشيا الحوثي للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014م، وجد الرئيس هادي نفسه محاصرا في منزله. لم يكن الحصار عسكريا فحسب، بل سياسيا ونفسيا. وضع الحوثيون فخامة الرئيس عبدربه انذاك أمام خيار واحد، التوقيع على اتفاقات تشرعن انقلابهم وتطعن الشرعية الدستورية في مقتل، أو البقاء رهينة تحت الإقامة الجبرية.

الكثيرون في موقفه كانوا سيرضخون تحت ضغط السلاح والتهديد. فالتوقيع يعني السلامة الشخصية، والرفض يعني المجهول. لكن هادي اختار طريقا ثالثا، لا يتقنه إلا القادة أصحاب النفس الطويل.

وهنا يظهر الدهاء في مواجهة القوة،

حيث رفض الرئيس التوقيع رفضا قاطعا. لم يكن رفضا انفعاليا أو لحظيا، بل كان قرارا استراتيجيا محسوبا. أدرك هادي أن توقيعه سيسقط آخر أوراق الشرعية، التي يمثلها، وسيمنح الانقلاب غطاء قانونيا يبحث عنه.

وبدلًا من المواجهة المباشرة، التي قد تكلفه حياته، لجأ إلى سلاح السياسي المجرّب، الصبر والمناورة. كان يماطل، ويتفاوض، ويكسب الوقت. يظهر اللين أحيانا حتى يظن محاصروه أنهم اقتربوا من إخضاعه، ثم يعود للصلابة في اللحظة الحاسمة. كان يدرك أن الزمن في صالح من يملك الشرعية، وأن خصومه متعجلون لشرعنة ما لا يمكن شرعنته. وبينما كان الحوثيون يظنون أنهم أحكموا الخناق، كان فخامة الرئيس هادي يخطط بهدوء لضربته. ففي 21 فبراير 2015م، وفي عملية وصفت بأنها من أعقد العمليات الأمنية، تمكن هادي من كسر طوق الحصار والخروج من صنعاء متجها إلى عدن.

لم يكن خروجه مجرد هروب من الأسر، بل كان إعلانا بفشل مخطط الانقلاب في احتواء الشرعية. وبوصوله إلى عدن، استعاد الرئيس قدرته على الحركة والقرار، وأعلن أن عدن عاصمة مؤقتة للبلاد، موجها ضربة سياسية قاصمة للحوثيين الذين ظنوا أنهم بإحكام قبضتهم على صنعاء قد أنهوا اللعبة. وهنا تتجلى امامنا، دروس الحنكة الهادوية، التي اولها، أن الشرعية لا توقع على إعدامها، حيث رفض هادي أن يكون الجسر الذي يعبر عليه الانقلاب إلى الشرعية. حافظ على النص الدستوري حتى وهو تحت الحصار. ثانيا، الصبر سلاح القائد، لم يستعجل المواجهة أو ينجرّ لاستفزازات الحوثيين. أدرك أن معركة النفس الطويل هي التي تكسب الحرب، فكان يمتص الضغط ويعيد ترتيب أوراقه بصمت. الدهاء أحيانا أن تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، ومتى تنسحب لتعود أقوى؟

ثالثا، تحويل الأزمة إلى فرصة، لم يكن خروجه من صنعاء نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة جديدة. حوّل عدن إلى مركز للشرعية، ومنها أعاد بناء مؤسسات الدولة، واستنهض الإقليم والعالم لدعم اليمن. الحصار الذي أُريد له أن يكون قبرا سياسيا، جعله منصة انطلاق.

رابعا، الرهان على النفس الطويل، بينما كان خصومه يبحثون عن نصر سريع وحاسم، كان هادي يلعب لعبة الشطرنج. ضحّى بالمواقع مؤقتا لكي يحمي الملك (الشرعية الدستورية)، ويكسب الوضع. كان يعلم أن الزمن كفيل بفضح الانقلاب وتعريته أمام الداخل والخارج.

واخيرا، قدم لنا درس في القيادة وقت المحن،

ما فعله فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي في شتاء 2014م وخريف 2015م، لم يكن مجرد نجاة شخصية، بل كان إنقاذا لمشروع الدولة اليمنية من الانهيار الكامل. بصبره، ودهائه، ورفضه المساومة على الثوابت، أثبت أن القائد الحقيقي لا يُقاس بضجيج المعارك، بل بقدرته على اتخاذ القرار الصحيح تحت أقصى الضغوط.

لقد انتصر الدهاء على الحصار، وانتصرت الشرعية على فوهة البندقية. وظل هادي شاهدا على أن السياسة ليست دائما صراخا في الميادين، بل هي في أحيان كثيرة همسٌ حكيم في غرفة محاصرة، ينتظر اللحظة المناسبة ليقلب الطاولة على الجميع.

فلم يكن خروجه من صنعاء فرارا، بل كان مناورة استراتيجية لرجل دولة قرأ المشهد جيدا، وأدرك أن الحفاظ على الشرعية أهم من الحفاظ على المقر. وهكذا يُكتب التاريخ، لا بأصوات الرصاص، بل بحكمة العقول التي تدير المعركة من خلف الستار.


✍️ الدكتور وضاح صالح المحوري . مدير عام مكتب التربية والتعليم م/ أبين.

الإثنين 1 يونيو 2026 م