ثمة رجال لا يُحدثون ضجيجًا في الحياة، لكن رحيلهم وحده يكفي ليكشف حجم الفراغ الذي كانوا يملؤونه.
وثمة أناس يعيشون بين الخلق أعوامًا طويلة، ثم يرحلون فلا يبقى منهم إلا اسمٌ في سجل الراحلين، بينما هناك رجال آخرون إذا غابوا أدرك الجميع أن شيئًا من الجمال قد غادر هذا العالم معهم.
كان عمي من أولئك الذين يشبهون الطمأنينة حين تمشي على الأرض.
لم يكن صاحب منصبٍ يلفت الأنظار، ولا صاحب ثروةٍ تتحدث عنها المجالس، لكنه امتلك ما هو أثمن من ذلك كله؛ قلبًا عامرًا بالإيمان، وسيرةً نظيفةً لا تخجل منها الأيام، وأثرًا طيبًا تركه في النفوس حتى صار الناس بعد رحيله يتسابقون إلى الدعاء له، وكأن الله أراد أن يجعل محبته شهادةً حيّةً تودعه إلى قبره.
وفي يوم الجمعة، ذلك اليوم الذي تتنزل فيه الرحمات، وفي ثالث أيام العيد حيث تكتسي الأرواح شيئًا من البهجة والسكينة، اختار الله له موعد الرحيل.
وما بين فرحة العيد ووجع الفقد، وقف القلب حائرًا؛ كيف يجتمع النقيضان في لحظة واحدة؟ كيف يفرح الناس بالعيد بينما يرحل من كان جزءًا من فرحتهم؟
لكن المؤمن يدرك أن أقدار الله أجمل من أن تُقاس بعيوننا القاصرة، وأن الله إذا أحب عبدًا اختار له من الأزمنة والأحوال ما يكرمه به عند لقائه.
لقد رحل عمي، لكن الشيء الذي يثير الدهشة حقًا أن غيابه لم يكشف موته، بل كشف حياته.
كشف كم من القلوب أحبته.
وكم من الألسنة دعت له.
وكم من الذكريات الجميلة تركها خلفه.
وكم من الأثر الطيب الذي غرسه بصمت دون أن ينتظر شكرًا أو ثناءً.
إن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن يعرفه الناس في حياته، بل أن يذكروه بالخير بعد وفاته.
وأعظم ثروة يتركها المرء ليست الأموال ولا الممتلكات، بل الدعوات الصادقة التي تخرج من قلوب أحبت أخلاقه وأحسنت الظن بربه وبعباده.
لهذا لم يكن الحزن عليه حزنًا على رجلٍ رحل فحسب، بل حزنًا على قيمةٍ جميلة كانت تسير بيننا، وعلى روحٍ طاهرة اعتدنا وجودها حتى ظننا أنها ستبقى دائمًا.
رحمك الله يا عمي.
رحم الله وجهًا لم نرَ منه إلا الخير.
ورحم الله قلبًا ما عرف الناس عنه إلا الطيبة.
ورحم الله روحًا غادرت الدنيا، لكنها تركت خلفها ما هو أبقى من العمر؛ تركت الذكر الحسن.
وسيظل اسمك حاضرًا كلما ذكرك محب، وكلما دعا لك قلب، وكلما مرّت ذكرى من ذكرياتك في خاطر أحدهم فابتسم لك ودعا الله أن يرفع منزلتك في جنات النعيم.
فبعض الناس لا يموتون حين تُدفن أجسادهم، بل يبقون أحياء في القلوب ما بقي الوفاء، وما بقي الدعاء، وما بقيت السيرة الطيبة التي لا يطويها الزمن.
"رحلت يا عمي، لكنك أخذت معك جزءًا من القلب لن يعود كما كان."
سارة عبد الحكيم ✍🏻