عدنان زين خواجه
"بينما تنفق القيادات رواتب وميزانيات في المواسم والأعياد، يقف المواطن عاجزاً أمام وجبة من الخبز والشاي ليسد بها رمق أطفاله.. إحدى عشرة سنة من الحرب كانت كفيلة بتحويل المسؤولين إلى رجال أعمال، وتحويل الشعب إلى ضحايا للفقر والجلطات والانتحار."
في الوقت الذي تضج فيه وسائل الإعلام بالتصريحات الرنانة والوعود البراقة عن خطط "الإعمار" والتنمية، يصطدم الواقع المرير بحقائق كارثية يعيشها المواطن اليمني كل ثانية. الواقع الذي يتجاهله مجلس القيادة والحكومة يطرح سؤالاً واحداً يتردد في كل زاوية ومنزل: عن أي إعمار تتحدثون والبلاد بلا مقومات للحياة؟
عتمة كاملة وجفاف قاحل: الخدمات في خبر كان
أي إعمار هذا والكهرباء لا تزور منازل المواطنين إلا لساعة واحدة يتيمة خلال أربع وعشرين ساعة؟ ساعة واحدة لا تكفي حتى لشحن هاتف أو إضاءة لمبة، ليعود الناس بعدها إلى ظلام دامس يمتد لأيام وأسابيع.
أما قطرة الماء، فقد أصبحت حلماً بعيد المنال؛ حيث ينتظر المواطنون لأكثر من نصف شهر لتصلهم المياه عبر الشبكة العامة، وفي نهاية المطاف لا يحصلون إلا على خزان واحد لا يكفي لأيام قليلة. هذا العجز دفع العائلات إلى استنزاف ما تبقى من قدرتها المالية الشحيحة لشراء "بوز" (صهاريج) المياه لتغطية استهلاكها الأساسي، وسط غياب تام لأي منظومة حكومية تخفف هذا العبء.
رواتب مقطوعة ومجاعة برداء "خبز وشاي"
إن الحديث عن الإعمار في ظل انقطاع رواتب الموظفين لشهور طويلة يُعد ضرباً من الوهم. وحتى أولئك الذين استبشروا خيراً بقدوم عيد الأضحى، وجدوا أنفسهم ضحية لسياسة الانتقائية، حيث أُنفقت ميزانيات ورواتب لمؤسسات ووزارات محددة تابعة للمقربين والقيادات، بينما تُرك بقية الموظفين بلا معيل.
هذا الحرمان الممنهج قاد الشريحة الأوسع من الشعب إلى حافة المجاعة، حيث وصلت كرامة المواطن إلى اكتفائه بوجبات رخيصة لا تتعدى "الروتي والشاي" أو "الخبز والشاي" لسد الرمق، في أقصى درجات التقشف الإنساني. وفي المقابل، تنهار العملة الوطنية وتشتعل أسعار السلع الغذائية بشكل جنوني، مما دفع بالعديد من أرباب الأسر -تحت وطأة العجز والقهر- إلى الانتحار، أو ارتكاب فواجع أسرية، أو الموت قهراً بالجلطات والذبحات الصدرية.
ثراء القيادة مقابل سحق المواطن: أين العدالة؟
إحدى عشرة سنة من الحرب لم يلمس فيها المواطن أي تغيير إيجابي، بل كانت سنوات عجافاً عليه، ونعيماً ومكاسب طائلة للقيادات، وعائلاتهم، والمتملقين، وأصحاب الأقلام المأجورة، والذباب الإلكتروني. لقد تحول المسؤولون من رجال دولة إلى رجال مال وأعمال وأثرياء على حساب شعب لا يجد شربة ماء نظيفة.
إن الفجوة باتت مرعبة وغير مقبولة؛ كيف يستقيم في ميزان العدالة أن يستلم مسؤول أو قيادي رواتب وامتيازات تصل لعشرات الملايين -سواء كان في الداخل أو مغترباً في الخارج على ظهر الشعب- بينما راتب الموظف البسيط لا يكفي لإطعام أسرته لمدة أسبوعين؟
المطالبة بالمكاشفة: كم تستلمون؟
من هنا، يتوجه الشارع اليمني بمطلب شرعي ومباشر إلى رئيس وأعضاء مجلس القيادة والحكومة: اخرجوا إلى العلن.. كاشفوا هذا الشعب المصابر.
كم تبلغ رواتبكم وامتيازاتكم الفردية؟
كم تُصرف للمجالس الاستشارية والنيابية والإعاشات المخصصة للمقربين والنشطاء؟
الناس لم تعد تحتمل كذب السنوات السابقة وتصريحات الاستهلاك الإعلامي التي لا تسمن ولا تغني من جوع. خيرات هذا الوطن ليست حكراً على من يجلس في مراكز القرار، والعدالة المغيبة هي المطلب الوحيد لشعب أرهقته الأنانية القيادية والتدمير الاقتصادي والخدمي الممنهج. كفى تصريحات.. الواقع ينزف، والإعمار الحقيقي يبدأ من كرامة الإنسان وقوته اليومي، لا من شاشات التلفاز.