ليس كل شعرٍ يُقرأ بالألفاظ فبعض القصائد لا تبوح بأسرارها إلا لمن يحسن قراءة الرموز، ولا تكشف طبقات معناها العميقة إلا لمن يدرك أن الشاعر الكبير لا يختار كلماته اعتباطاً، بل يودع فيها إشارات تتجاوز ظاهر النص إلى آفاق التاريخ والجغرافيا والوجدان الوطني.
ومن القصائد التي تستحق الوقوف عندها طويلاً قصيدة الدكتور إبراهيم الحضراني الشهيرة «لقاء الأحبة»، والتي سبق أن تناولتُها في مقال سابق تحت عنوان "حفل صعدة المؤجل"، باعتبارها واحدة من أبلغ القصائد اليمنية التي جسدت حلم اليمنيين بالوحدة قبل أن تصبح واقعاً سياسياً قائماً على الأرض.
لقد تخيل الحضراني مهرجاناً يمنياً استثنائياً أو بالأحرى عرساً وطنياً جامعاً التقت فيه «حسناء» و"حسان"؛ أي صنعاء وعدن في صورة رمزية للوحدة اليمنية التي كانت آنذاك حلماً يراود الوجدان الجمعي قبل أن تتحول إلى حقيقة سياسية.
ولأن المناسبة في خيال الشاعر ليست مناسبة عادية بل الحدث اليمني الأعظم فقد استدعى إليها اليمن كله أرضاً وإنساناً وتاريخاً.
فجاءت مناطق اليمن المختلفة شريكة ومشاركة في الحفل ومساهمة في نجاحه؛ فمنها من حضر بالفن والكلمة واللحن، ومنها من جاء بالحناء والريحان، ومنها من حمل البُر والعسل والتتن، فيما حضرت مناطق أخرى بوصفها «ديار الحبايب» ومواطن الشوق والوصال، ومنهم من حضر بغير ذلك.
والأكثر إثارة للانتباه أن الحضراني اختار "صعدة" لتكون مقر ذلك العرس الوطني الكبير، وكأن الشاعر كان يريد أن يقول إن اليمن الحقيقي لا يُبنى على الانقسامات، بل على استعادة الجغرافيا اليمنية بكاملها إلى دائرة الحلم الوطني الواحد.
غير أن أكثر ما يستوقف القارئ في هذه القصيدة ليس اختيار "صعدة" وإنما ذلك البيت الشهير:
"عانقين يا جبال ريمة... شماريخ شمسان".
فقد أثار هذا البيت اعتراض بعض من تصدوا لقراءة النص وتحليله وذهب بعضهم إلى أن ريمة كان ينبغي أن تُذكر في سياق آخر وربطوا حضورها بأدوار اجتماعية وخدمية تتعلق باستقبال الضيوف أو إعداد الطعام، وكأنهم يقرؤون الشعر بمنطق السجلات الإدارية وبالأبعاد العنصرية لا بمنطق الرموز الشعرية.
والحقيقة أن مثل هذه القراءة لا تكشف عن خلل في النص، بل عن قصور في فهمه.
فالحضراني لم يكن يوزع الأدوار بين المحافظات كما توزع المهام في حفلة زفاف! وإنما كان يبني لوحة رمزية شديدة العمق، لكل عنصر فيها وظيفة معنوية تتجاوز حضوره المباشر.
فلماذا خاطب ريمة بجبالها؟!
ولماذا قرنها بشماريخ شمسان؟!
الإجابة تكمن في طبيعة الرمز ذاته.
فالجبال في المخيال اليمني ليست مجرد تضاريس طبيعية بل تعبير عن الرفعة والثبات والحراسة والسيادة.
ومن فوق القمم تُراقب الأوطان، ومن أعالي الشماريخ تُصان الأحلام الكبرى.
ولذلك فإن الحضراني لم يستدعِ ريمة بوصفها منطقة زراعية أو جغرافية فحسب، بل استدعاها بوصفها رمزاً للعلو والارتفاع والقدرة على الحماية.
كما أن استدعاء شمسان لم يكن بدوره أمراً عابراً فشمسان يمثل واحداً من أكثر الرموز الجغرافية حضوراً في الوعي العدني واليمني عموماً.
وعندما يطلب الشاعر من جبال ريمة أن تعانق شماريخ شمسان، فإنه لا يصف مشهداً "طبيعياً" بل يرسم "مشهداً وطنياً" قِمتان تتعانقان، وشاهقان يتلاقيان، وحارسان يقفان على طرفي الحلم اليمني الكبير.!
هنا يصبح المعنى أوضح وأجلى:
إن الحضراني لم يكن يتحدث عن الجبال، بل عن حراسة مشروع الوحدة ذاته.
ولم يكن يستدعي المكان لذاته، بل للدور الرمزي الذي يؤديه في حماية ذلك المنجز الوطني المرتقب.
ومن اللافت أن هذا التصور لم يكن استثناءً في الشعر اليمني، بل نجده حاضراً أيضاً لدى شاعر الجمهورية الكبير الراحل مطهر الإرياني في رائعته "فوق الجبل" حين جعل القمة العالية موضع الحراسة والسهر على آمال الشعب بقوله:
"فوق الجبل حيث وكر النسر فوق الجبل
واقف بطل محتزم للنصر واقف بطل"
ثم يمضي الإرياني في رسم الصورة ذاتها حين يجعل البطل:
"يحرس أمل شعبٍ فوق القمة العالية".
فالقمة في الشعر الوطني اليمني ليست مجرد مكان مرتفع، وإنما موضع الحراسة واليقظة وحماية المشروع الوطني.
ومن هنا تتضح الدلالة العميقة لبيت الحضراني، إذ أسند مهمة الحراسة الرمزية للوحدة اليمنية إلى أعلى ما في الجغرافيا اليمنية من شموخ وارتفاع.
ولعل الأجمل في هذه الرؤية أنها لم تكن مجرد أمنية شعرية، بل كانت تعبيراً عن وعي جمعي سبق الواقع السياسي نفسه.
فالوحدة اليمنية كانت حاضرة في خيال الشعراء قبل أن تحضر في نصوص الدساتير.
وقد رأينا ذلك أيضاً عند الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان "الفضول" في قصيدته "بكر غبش" والتي تناولنها ذات مرة في قرائة نقدية تحليلية تحت عنوان "ثلاثية الحب والهوية والسياسة" قصيدة بكر غبش.
فقد تجلت ملامح الوحدة في تفاصيل لغوية وثقافية دقيقة عثرنا عليها داخل القصيدة عندما جمع بين مفردات تنتمي إلى بيئتين مختلفتين كـ قوله: " لا طارح الخنة ولا مشرشف"
فالخنة لم تكن تستخدم إلا بعدن بينما كان الشرشف حكراً على صنعاء! في إشارة مبكرة إلى وطن واحد يتجاوز الحدود السياسية القائمة آنذاك.
وهكذا تبدو قصيدة الحضراني وثيقة وجدانية بقدر ما هي نص شعري، وشهادة على أن اليمن كان حاضراً في مخيلة أبنائه موحداً قبل أن يكون موحداً في الجغرافيا والسياسة.
أما أولئك الذين توقفوا عند ظاهر اللفظ وغاب عنهم جوهر الرمز فإن حالهم يذكرنا بقول الشاعر:
"كم من عائبٍ قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السقيم"
لقد فهم الحضراني أن الأوطان الكبرى لا تحرسها "السهول" بل "القمم".
ولا تصون أحلامها "المنخفضات" بل "الشماريخ الشاهقة".
ولذلك جعل ريمة وشمسان في موضع الحارس لا الضيف! وفي مقام الحماية لا الخدمة!
وإذا كانت الوحدة اليمنية قد مثلت الحلم الأكبر لجيل الحضراني والإرياني والفضول. فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت الأمة العربية تحتفظ بالحلم ذاته على مستوى أوسع؟
وهل تستطيع جبال الأمة الممتدة من جبال أطلس غربا إلى جبال زاغروس شرقا أن تتعانق كما تعانقت جبال ريمة وشماريخ شمسان في خيال شاعر يمني رأى المستقبل قبل أن يراه السياسيون؟!
ذلك سؤال مفتوح يظل باقياً ويقود إلى السؤال الباقي دوماً؟
أكو عرب؟!.