أعتقد جازماً بأن الكثير من العرب وخصوصاً المتحررين من التعصبات المذهبية والطائفية ' وغير المؤدلجين في الأحزاب والجماعات ذات النزعات الإيديولوجية ' والمتحررين من العمالة والتبعية والولاء لمشاريع توسعية خارجية ' قد أدركوا جيداً بأن نكبة الربيع العربي ليست أكثر من مؤامرة خارجية استهدفت الهوية والقومية العربية ' مؤامرة توافقت عليها قوى إقليمية ودولية لديها مشاريع توسعية واستعمارية في المنطقة العربية ' ولم يعد يخفى على أحد بأن هذه المؤامرة ركزت بالدرجة الأولى على إسقاط الأنظمة العربي ذات النزعة القومية ' بهدف إزاحة آخر قلاع الممانعة القومية العربية ..!!
ولم يعد يخفى على أحد بأن مؤامرة الربيع العربي قد حظيت بتأييد إقليمي ودولي وأممي كبير ' تحت ذرائع ديمقراطية وسياسية وحقوقية وإنسانية ' لذلك لن نبالغ إذا وصفنا هذه المؤامرة بمؤامرة دولية وإقليمية ' استهدفت هوية وقومية واحدة ' بهدف تمزيق الممزق وتقسيم المقسم ' ويبدو بأن التاريخ يعيد نفسه ' فما حدث في سايكس بيكو يتكرر اليوم ' وإن تغيرت المسميات والحدود الجغرافية لتقاسم النفوذ على الأرض العربية ' وأن تغيرت وجوه وجنسيات المتقاسمين وإن تغيرت دوافعهم وأهدافهم ' لكن تظل القومية العربية والأرض العربية هي المستهدفة ..!!
والجديد في الموضوع .....
أننا عندما كنا نقرأ في كتب التاريخ حالة الضعف والتشرذم والخلافات القائمة داخل المجتمع العربي آنذاك ' لم نكن ندرك الدور الكبير الذي كان يقوم به المتعصبون المذهبيون والطائفيون والمؤدلجون والموالون للمشاريع التوسعية والاستعمارية الخارجية ' وكنا نظن أن المؤرخين يبالغون في ذلك ' فلا يمكن لإنسان عربي ترعرع فوق ثرى الأرض العربية وشرب من مائها وأكل من خيراتها وأستظل تحت سمائها ' أن يساعد الطامعين والمعتدين عليها ' وأن يجعل من نفسه أداة في خدمة مشاريعهم التوسعية والاستعمارية ' التي تستهدف هويته وقوميته وعزته وكرامته ..!!
لكن بعد أحداث مؤامرة الربيع العربي تبين لنا حقيقة الدور السلبي للمتعصبين المذهبيين والطائفيين والمؤدلجين والموالين لمشاريع توسعية خارجية ' نعم لقد شاهدناهم وهم يخربون أوطانهم بأيديهم ' وهم يعملون على إسقاط أنظمتهم ودولهم ' وهم يجرون أوطانهم نحو الفوضى والعنف والتقسيم والتمزيق ' والأفظع من ذلك تفاخرهم بتبعيتهم وولائهم للمشاريع التوسعية الخارجية ' واعلانهم الحرب على كل ما له علاقة بهويتهم وقوميتهم ' والأدهى من ذلك وهم يدافعون بإستماته عمن يستهدف قوميتهم ويستعمر أرضهم ' بل ويموتون من أجل أن تصبح أوطانهم تحت سلطة وهيمنة المشاريع التوسعية الخارجية ' لهذه الدرجة تختل الموازين الفكرية والقومية والوطنية والسياسية لدى هذه الشريحة من المجتمع طمعاً في تحقيق مصالح سياسية أو شخصية أو حزبية ' أو تعصباً لنزعة مذهبية أو طائفية ..!!
نعم ها هو التاريخ يعيد نفسه ' وها هي القومية والهوية والأرض والثروات العربية ' يتداعى عليها الطامعين والمستعمرين الاقليميين والدوليين ' كما يتداعى الأكلة على مائدة الطعام ' وها هم المتعصبون والمؤدلجون والموالون لهم من العرب ( جماعات الاسلام السياسي ) ' يساعدونهم وبكل إخلاص وتفاني لتنفيذ مشاريعهم التوسعية وتحقيق أطماعهم الاستعمارية ' طبعاً هؤلاء وهم يقومون بهذه الأدوار السلبية تجاه قوميتهم وأوطانهم لا يقومون بذلك بشكل واضح ولكنهم يغطون ذلك ويبررونه بمبررات قد تكون دينية أو مذهبية أو طائفية أو حزبية ' وتحت شعارات براقة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه التبعية والولاء والخضوع والخنوع لمشاريع نوسعية خارجية ، ولا فرق بين المستعمر الدولي والمستعمر الاقليمي ، فالاستعمار هو الاستعمار وان تغيرت المسميات ، وكل من يستهدف الهوية والقومية العربية ويحاول الانتقاص من شأنها ومكانتها وقيمتها هو بدون شك أداة من أدوات الاستعمار سواء كان ذلك بعلم او بدون علم ، فالانتقاص من الهوية والقومية هو تدمير ذاتي لمقوماتها ومقدراتها وتاريخها وتراثها وحضارتها ووجودها ، وأسوأ أنواع التدمير الذاتي هو الولاء والتبعية والتمجيد لهويات وقوميات أخرى ، ومن ينتقص من هويته وقوميته هو ينتقص من نفسه وكينونته ، ولن يجد نفسه إلا تابعا ذليلا رخيصا ولو بعد حين ، فالاعتزاز بالهوية والقومية هو اعتزاز واعتداد بالنفس في ظل التنافس الايجابي بين الأمم والحضارات والهويات والقوميات ..!!