قبل أيام قليلة ، تابعت مقابلة مطولة مع الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس وزراء قطر اﻷسبق ,وكانت تتعلق في معظمها بالتطورات التي تشهدها المنطقة وعلى رأسها بطبيعة الحال الحرب (الايرانية – الامريكية الإسرائيلية ) وتداعياتها الخطيرة على دول الخليج العربي التي هوجمت من قبل النظام الايراني بأضعاف ما هوجمت به اسرائيل !
وفي الحقيقة ان دول الخليج العربي منذ أن غزا صدام حسين الكويت عام ١٩٩٠ لم تشهد اي تهديدات عسكرية جدية , حتى فبراير ٢٠٢٦ حينما شنت جمهورية ايران بشكل غير مسبوق ، ولا متوقع هجمات مكثفة بالصواريخ والمسيرات على جميع الدول الستة بلا استثناء , حتى وان تباينت الهجمات في عددها ونوعيتها من دولة الى اخرى ، لكن الاكيد في الامر ان نيران الحرب في مجملها قد لامست مصالح مدنية وسيادية والحقت اضرارا اقتصادية كبيرة بدول الخليج ,التي فضلت بدورها عدم الإنخراط في الحرب الإقليمية, وعدم الرد بالمثل على طهران , واكتفت بالدفاع عن نفسها بنجاح كبير.
في المقابلة دعا الشيخ حمد الى انشاء ما اسماه ب " الناتو الخليجي " , والذي يمكن ان يقوم على اسس مشتركة حاكمة له كمنظومة دفاع مشتركة فاعلة , والفكرة بحد ذاتها ليست جديدة , فقد سبق له شخصيا – كما قال - ان طرحها من قبل في اكثر من مناسبة . وهي فكرة طموحة وضرورية وغيرعصية على التنفيذ ,على الرغم من ان الواقع الخليجي بشكل خاص والعربي بشكل عام يبدو اكثر تعقيدا , بما لا قد يساعد على تنفيذ مثل هذا المشروع بالسرعة اللازمة والسلاسة المطلوبة ، مع تأكيدنا على توفر كافة مستلزمات المشروع في حال تبددت الشكوك الذاتية, وامنت دول الخليج بنفسها وبحاجتها لمشروع عسكري كبير، وكثفت من حواراتها الجدية بلا كلل تجاه مختلف الملفات الشائكة التي لازلت تستنزف التوافق الخليجي في صورته المثلى , وفي مقدمتها الملف اليمني ، وما يتعلق بقضية الجنوب تحديدا . وفي المقابل لا اعتقد شخصيا، أن البحث عن التحالفات الاقليمية والدولية للعرب مهما بدت جذابة ,يجب ان تتقدم على التحالفات العربية – العربية او الخليجية – الخليجية , لأن جميع عناصر النجاح ضمن المنظومة العربية والخليجية ان احسن استغلالها تعتبر اكثر قوة وحضورا وفعالية ومنطقية ايضا في بعدها الاستراتيجي البحت على المديين المتوسط والطويل.
وفي هذا السياق .. يهمني شخصيا - ليس من باب الأماني , ولا الاستغلال - طرح " قضية الجنوب " في مقاربة ترتبط ارتباطا وثيقا باﻷمن القومي الخليجي بشكل خاص والعربي بشكل عام وفقا لرؤية منطقية ,تطرح تساؤلات كبيرة مؤلمة لنا كأصحاب قضية , وربما محرجة للنظام العربي والخليجي على وجه التحديد , خاصة وقد كشفت " أزمة مضيق هرمز " عن قدرة ايران – النظام – على خنق الاقتصاد العالمي فيما يتعلق بإمدادات الطاقة تحديدا ,بصورة لم تشهدها الساحة الدولية منذ عام ١٩٧٣ تقريبا ,حيث احكمت ايران قبضتها على المضيق واغلقته تماما حتى اﻵن على اﻷقل. والكارثة اﻷكبر – وهنا مربط الفرس - تقول ان لدى ايران ايضا قدرة كبيرة على احداث مشاكل ضخمة في مضيق باب المندب عبر وكلائها الحوثيين متى ارادت ذلك ! وهذا عامل آخر او كرت سياسي مؤجل من الممكن ان تضعه ايران على طاولة الحرب والتفاوض متى ارادت ذلك .
ان نظرة يسيرة على الموقع الاستراتيجي الهام الذي يحتله الجنوب , لا يتطلب عبقرية عربية لتقييم ,ووزن اهميته القصوى على مختلف الاصعدة , وقدرته الكبيرة على تقديم العون والمدد الطارىء اقتصاديا ,وعسكريا , وأمنيا للعرب في مواجهة ازمة اقليمية كبيرة متقلبة, كمثل تلك التي يواجهها الخليج العربي حاليا ، خاصة والجنوب كان علامة النصر الواضحة، وربما الوحيدة لعاصفة الحزم في عامها اﻷول , كما أن الجنوب عبارة فضاء عربي )جغرافي – اجتماعي ( منسجم طبيعيا مع محيطه العربي العام , ودائما ماكان هذا الجنوب ببعده الجيوسياسي يستدعي الخليج في مختلف المراحل للنظر اليه وفقا لهذه اﻷهمية الكبيرة التي كشفت عنها حرب ايران اﻷخيرة , دون ان يجد لصوته صدى في أروقة النظام الرسمي . بل من المؤسف القول أن هذا الجنوب وقضيته الوطنية العادلة ,لا زال حتى اﻵن يستخدم في اطار العمل السياسي التكتيكي لا الاستراتيجي كما يفترض أن يكون , فتارة يستخدم ك " ورقة ضغط " ضد هذا الطرف أو ذاك , وتارة يستخدم ك" ورقة مساومة " على طاولة حوارات بحسب الظروف والمتغيرات الاقليمية التي لا علاقة للجنوب بها ! في حين يفترض ان يتم التعامل معه وفقا للحسابات السياسية الصرفة في اطار استراتيجية عربية شاملة تضمن للأمن القومي العربي توظيف موقعه الجغرافي الهام ، والخطير لصالح مقتضيات اﻷمن و الاقتصاد , بعيدا عن تأثيرات ايران الكبيرة وتحكمها في مياه الخليج المشتركة كما نشاهد حاليا.
كما أن الحقيقة المرة التي يجب ان نتحدث عنها بصراحة أيضا , تفيد أن هنالك تقريبا اربع مقاربات عربية " ضعيفة " تتعامل بموجبها اﻷنظمة العربية مع قضية الجنوب ,تتلخص اﻷولى منها بالنظر للجنوب كعامل هام لخفض التصعيد الاقليمي ووضعه في ميزان المساومات السياسية المفتوحة على مسار السلام الاقليمي ككل , فيما تشير الثانية الى رؤية الجنوب في اطار تحالفات اقليمية تتجاوز الانتماء العربي وفقا لحسابات سياسية خطيرة غير محسوبة بدقة , وتقول الثالثة ان مقاربة الجنوب وقضيته وشعبه ,يجب ان ترتكز على الحسابات السياسية التي قام عليها ما سمي بالربيع العربي وهيمنة تيار الاخوان المسلمين عليه بشكل كامل في اطار الوحدة اليمنية ,فيما لا ترى الرابعة الجنوب الا من زاوية البعد القومي العربي الذي سبق للزمن أن اكل عليه وشرب في معقله الرئيسي الذي انطلق منه !هذا هو واقع الحال المؤلم الذي يحيط بالجنوب وقضيته ,وبكيفية تعامل النظام العربي الرسمي معه وخذلانه له .
وعلى الرغم من سوداوية التشخيص للمرحلة الماضية ,الا ان الفرصة لا زالت مواتية لتبني مقاربة استراتيجية مختلفة ,كنتيجة طبيعية للفراغ الامني الكبير الذي تكشف لنا جميعا مع اندلاع أزمة الحرب الايرانية – الامريكية الاسرائيلية والاصوات التي بدأت تعلو في اكثر من عاصمة خليجية وعربية جهة أهمية تبني مراجعات شاملة لمختلف قضايا اﻷمن والسياسة والاقتصاد، على المستويين الخليجي والعربي , وهي قضايا اعتقد جازما أن اي مراجعات جدية لها لا يمكن ان تتجاوز الجنوب وأهمية معالجة قضيته بعدالة وبراجماتية ايضا , وهو الموضوع الذي سيكون محط نقاشي في الجزء الثاني من هذا المقال.