في قلب الفكرة الجمهورية، تتجسد "الولاية" بوصفها عقدًا أخلاقيًا وسياسيًا بين الشعب والدولة، لا كامتياز يُمنح لسلالة، ولا كغنيمة تُنتزع بالقوة كما تدعي العصابة الحوثية، بل هي حق أصيل نابع من إرادة الناس الحرة. فالجمهورية اليمنية، منذ انبثاقها، لم تكن مجرد نظام حكم، بل مشروع تحرري أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، وأرسى قاعدة غير قابلة للمساومة: المواطنة المتساوية.
إن الولاية في مفهومها الجمهوري تعني أن كل يمني هو شريك كامل في الوطن، يمتلك ذات الحقوق، ويخضع لذات الواجبات، دون تمييز قائم على النسب أو المنطقة أو الانتماء الضيق. هذه الفلسفة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة تضحيات جسام، ونضال طويل ضد أنماط حكم كهنوتية امامية أغلقت أبواب المستقبل، وحجّمت الإنسان داخل قوالب طبقية موروثة.
في الجمهورية، لا يُولد الحاكم حاكمًا، ولا يُورّث الحكم كما تُورّث الأملاك، بل يُمنح التفويض عبر صناديق الاقتراع. هنا، يصبح الشعب هو مصدر الشرعية الوحيد، وتتحول الدولة إلى كيان مؤسسي تُدار فيه السلطة وفق قواعد دستورية، لا أهواء شخصية. سيادة القانون في هذا السياق ليست شعارًا، بل أداة لضمان العدالة ومنع احتكار السلطة والثروة، بحيث يخضع الجميع – حكامًا ومحكومين – لنفس الميزان.
غير أن هذا المشروع الجمهوري لم يَسلم من محاولات الانقضاض عليه. فقد برز الفكر الحوثي كحالة نقيضة، تسعى إلى إعادة إنتاج نموذج الولاية السلالية تحت غطاء ديني زائف، يُفرغ الدولة من مضمونها الوطني، ويحوّلها إلى أداة بيد فئة تدّعي الاصطفاء الإلهي. هذا الفكر لا يؤمن بالمواطنة، بل بالتفاضل العرقي، ولا يعترف بالدولة، بل بالجماعة، ولا يرى في الشعب مصدرًا للسلطة، بل تابعًا يجب إخضاعه.
إن أخطر ما يحمله المشروع السلالي الحوثي ليس فقط سلاحه، بل منظومته الفكرية التي تضرب في عمق الهوية اليمنية، وتعيد تقسيم المجتمع إلى سادة وأتباع. فهو يلغي فكرة العقد الاجتماعي، ويستبدلها بعقيدة الطاعة القسرية، ويهدم مؤسسات الدولة لصالح شبكات ولاء ضيقة، قائمة على السلالة والمذهب.
ولذلك، فإن معركة الجمهوريون في اليمن اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وعي وهوية. معركة دفاع عن الجمهورية كقيمة، وعن المساواة كحق، وعن الدولة كمؤسسة جامعة. فإما أن ينتصر مشروع المواطنة، أو يُترك المجال لعودة عصور الظلام بثوب جديد.
إن الولاية الحقيقية هي ولاية الشعب على نفسه، وهي التعبير الأسمى عن كرامته وسيادته. ومن هنا، فإن الحفاظ على الجمهورية ليس خيارًا سياسيًا، بل واجب وطني وأخلاقي. وعلى كل الأحرار أن يدركوا أن الصمت في لحظة كهذه ليس حيادًا، بل تخلٍ عن جوهر القضية.
الجمهورية ليست ماضيًا نتحسر عليه، بل مستقبلًا يجب أن نقاتل من أجله… بكل ما نملك...
----------