من هنا يبدأ السقوط الأخلاقي في الممارسة السياسية عندما يتحول الإعلام إلى أداة للتشويه ، ففي التجارب السياسية المختلفة، لا يُقاس نجاح أي مشروع سياسي بحجم الضجيج الإعلامي والتزييف الذي يصنعه لنفسه، بل بقدرته على تقديم رؤية واضحة وبرامج واقعية ودراسات جادة تعالج قضايا الناس وتجيب عن أسئلتهم. غير أن بعض القوى السياسية تقع في فخ السقوط الأخلاقي عندما تستبدل العمل الفكري والمؤسسي بحملات دعائية تقوم على تمجيد القيادات وتشويه الخصوم وبصورة مبتذلة.
وفي الحالة اليمنية، يرى كثير من المراقبين أن المجلس الانتقالي الجنوبي ابتعد عن جوهر القضية الجنوبية، وانشغل إعلامه خلال السنوات الأخيرة بصناعة صورة بطولية لقياداته، وعلى رأسها عيدروس الزبيدي، بدلاً من توجيه الجهود نحو إنتاج الدراسات والأبحاث والرؤى السياسية التي يمكن أن تشكل خارطة طريق لفهم القضية الجنوبية وتحديد أهدافها وآليات تحقيقها.وكثير من التساولات منها ، من نحن وماهو تاريخنا ولمن ننتسب. لايكفي ان تظهر في مقابلة تلفزيونية عملة نقدية مكتوب عليها الجنوب العربي وانت تنتمي للضالع اليمنية وتحمل علم الحزب الاشتراكي اليمني ، وتاريخك كله يدور حول أهداف الوحدة اليمنية
فبدلاً من تقديم خطاب سياسي عقلاني، ركزت العديد من المنصات الإعلامية المحسوبة على المجلس على تصوير بعض القيادات وكأنها شخصيات استثنائية أو أبطال خارقون، مع إغراق المشهد بسرديات عاطفية ومبالغات دعائية لا تسهم في بناء الوعي السياسي أو تعزيز القضية التي يدّعون الدفاع عنها. كما جرى تقديم شخصيات صدرت بحق بعضها أوامر قبض أو وُجهت إليها اتهامات تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو بزعزعة الأمن والاستقرار على أنها نماذج وطنية وبطولية، في تجاهل واضح لمبدأ المساءلة وسيادة القانون.
وفي المقابل، امتلأت بعض المنصات والصفحات بحملات التخوين والسب والشتم ضد كل من يختلف مع مشروع المجلس أو ينتقد أداءه. وقد طال هذا الاستهداف شخصيات سياسية وإدارية تُعرف بنزاهتها وسجلها المهني، ومن بينهم سالم الخنبشي، الذي تعرض لحملات هجوم واسعة بسبب مواقفه المتعلقة بحماية مصالح حضرموت والدفاع عن خصوصيتها وحقوق أبنائها.
ولم يتوقف الأمر عند الخصوم المحليين، بل امتدت حملات الإساءة أحياناً إلى المملكة العربية السعودية، رغم دورها المحوري في الملف اليمني، وذلك عندما تبنت مواقف أو سياسات لم تنسجم مع توجهات بعض الأطراف داخل المجلس الانتقالي المنحل وحاولت تعليمهم أبجديات العمل السياسي. وهو سلوك يعكس ضيقاً بالنقد وعدم القدرة على استيعاب متطلبات العمل السياسي القائم على الحوار والتفاوض وإدارة الخلافات.
إن الإعلام السياسي الذي يقوم على تقديس الأشخاص وتشويه المعارضين لا يخدم أي قضية عادلة، بل يضر بها على المدى البعيد. فالقضايا الوطنية لا تنتصر عبر صناعة الأصنام السياسية ولا عبر نشر الكراهية والتخوين، وإنما عبر بناء خطاب عقلاني يحترم التعددية ويقبل النقد ويقدم حلولاً حقيقية للمشكلات القائمة.
ومن هنا، فإن استمرار هذا النهج الإعلامي لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الرفض للمشروع السياسي نفسه، وخلق خصومات وصراعات جديدة كان بالإمكان تجنبها. فكلما اتسعت مساحة الإقصاء والتخوين، تقلصت فرص بناء توافق وطني واسع حول أي قضية، بما في ذلك القضية الجنوبية. وفي النهاية، فإن أكثر ما يضر القضايا العادلة ليس قوة خصومها، بل أخطاء بعض من يتحدثون باسمها ويختزلونها في أشخاص وشعارات وحملات دعائية تفتقر إلى المسؤولية والأخلاق السياسية.
المحامي صالح باحتيلي النعماني محام