في مشهدٍ يتكرر كل يوم، ترى شابًا متزوجًا يتمنى لو عاد إلى أيام العزوبية، وترى شابًا أعزب يظن أن الزواج هو الباب الوحيد للسعادة. وبين هذا وذاك، تتردد في النفوس أمنيات متناقضة، وكأن الإنسان خُلق ليشتاق دائمًا إلى ما ليس في يده، ويعتقد أن الراحة والسعادة تكمنان فيما يملكه الآخرون.
يحزن القلب حين ترى شابًا في مقتبل العمر وقد تقلصت أحلامه وانخفض سقف طموحاته حتى أصبحت تدور في دائرة ضيقة من المطالب المعيشية فقط. وليس المقصود التقليل من أهمية الزواج أو العمل أو بناء البيت أو تحسين مستوى المعيشة، فكلها أمور مشروعة وضرورية، بل هي من سنن الحياة ومتطلباتها. لكن المأساة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الوسائل إلى غايات، وعندما يصبح الإنسان أسيرًا لها، فلا يرى للحياة هدفًا أبعد منها ولا رسالة أكبر من تحقيقها.
حين تسأل بعض الشباب اليوم: ما هدفك في الحياة؟ تأتيك الإجابات متشابهة إلى حد كبير: أريد أن أتزوج، أريد أن أبني منزلًا، أريد أن أسافر، أريد أن أجمع المال. وعندما يحقق أحدهم هذه الأمور يكتشف أن الفراغ ما زال في داخله، وأن السعادة التي كان يطاردها لم تكن كامنة في تلك الإنجازات وحدها. فيبدأ البحث عن هدف جديد، ثم آخر، ثم آخر، دون أن يشعر بالاكتفاء الحقيقي أو الطمأنينة التي كان ينتظرها.
إن الأزمة التي يعيشها كثير من الشباب اليوم ليست أزمة إمكانيات فقط، وليست أزمة فرص عمل فقط، بل هي في جانب كبير منها أزمة أهداف ومعانٍ. فحين يغيب المعنى، تصبح الحياة سلسلة من الأيام المتشابهة، والعمل مجرد وسيلة للبقاء، والزواج مجرد محطة اجتماعية، والمال مجرد رقم يزداد أو ينقص، دون أن يشعر الإنسان بأنه يسير نحو رسالة تستحق أن يُفني عمره من أجلها.
لقد كان شباب الأمة في عصورها الزاهرة يحملون همومًا أكبر من ذواتهم. كانوا يفكرون في العلم قبل الشهرة، وفي الإصلاح قبل المصالح، وفي خدمة الناس قبل خدمة أنفسهم. كانت قلوبهم معلقة بالله تعالى، وكانت نفوسهم تتطلع إلى المعالي، ولذلك صنعوا حضارة، وتركوا أثرًا، وخلّد التاريخ أسماءهم.
لم يكونوا ملائكة، ولم تكن حياتهم خالية من التحديات أو المسؤوليات، لكنهم كانوا يدركون أن الإنسان لم يُخلق لمجرد الأكل والشرب والعمل وجمع المال، بل خُلق لعبادة الله وعمارة الأرض وإصلاح الحياة ونفع الناس. ولذلك كانت أهدافهم كبيرة، وكانت هممهم عالية، وكانت إنجازاتهم بحجم تلك الأهداف.
أما اليوم، فقد أصبح كثير من الشباب يعيشون تحت ضغط المقارنات المستمرة. ينظر الأعزب إلى المتزوج فيظنه أسعد الناس، وينظر المتزوج إلى الأعزب فيتخيل أنه يعيش حياة بلا هموم. ينظر الفقير إلى الغني ويتمنى مكانه، وينظر الغني إلى غيره ممن يملكون أكثر منه. وهكذا تستمر دوامة المقارنات التي لا تنتهي، حتى يضيع الإنسان بين ما يملك وما يتمنى.
والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن السعادة ليست حالة اجتماعية، وليست مبلغًا في حساب مصرفي، وليست منزلًا فخمًا أو سيارة حديثة. السعادة الحقيقية تنبع من معرفة الإنسان لرسالته في الحياة، ومن شعوره بأنه يسير في الطريق الذي خُلق من أجله، وأن لحياته قيمة تتجاوز حدود مصلحته الشخصية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة ليس الفقر المادي، بل فقر الهمم وضعف الطموحات. فالأمة التي يفقد شبابها أهدافهم الكبرى تتحول تدريجيًا إلى أمة مستهلكة، تنتظر الحلول من الآخرين، وتعيش على هامش الأحداث بدلًا من أن تصنعها.
ولهذا فإن مسؤولية الآباء والمربين والعلماء والمثقفين اليوم ليست فقط توفير فرص التعليم والعمل للشباب، بل أيضًا إعادة بناء المعنى في نفوسهم، وإحياء الشعور بالرسالة، وغرس القيم التي تجعل الشاب يدرك أن حياته أكبر من مجرد وظيفة أو راتب أو منزل.
نحن بحاجة إلى شباب يحملون أحلامًا بحجم أوطانهم، ويعيشون لدينهم وأمتهم كما يعيشون لأنفسهم. شباب يسعون إلى العلم النافع، والعمل الصالح، والإبداع، والإصلاح، وخدمة المجتمع. شباب يدركون أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يملكه الإنسان فقط، بل بما يقدمه للناس، وبالأثر الذي يتركه بعد رحيله.
إن الأمة التي تمتلك شبابًا أصحاب رسالة لا تخشى المستقبل، مهما اشتدت الأزمات وتعقدت الظروف. أما حين تتحول حياة الشباب إلى سباق وراء المكاسب المؤقتة فقط، فإن الخسارة تكون أكبر من مجرد ضياع سنوات؛ إنها خسارة أجيال كاملة كان يمكن أن تصنع فرقًا في واقعها ومستقبلها.
فلنراجع أنفسنا قبل فوات الأوان، ولنسأل السؤال الذي غاب عن كثير منا: لماذا نعيش؟ وما الرسالة التي نريد أن نلقى الله بها؟ فالإجابة الصادقة عن هذا السؤال قادرة على أن تغيّر مسار حياة كاملة.
نسأل الله العلي العظيم أن يوقظ الهمم بعد فتورها، وأن يزرع في قلوب شبابنا الإيمان والبصيرة والطموح، وأن يجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يرزقهم أهدافًا عظيمة ترفعهم في الدنيا والآخرة، وأن يجعل حياتهم عامرة بالطاعة والعلم والعمل النافع والأثر الطيب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.