آخر تحديث :الأربعاء-03 يونيو 2026-07:56م

لعنة "الحظ" أم لعنة "البلاد" ؟

الأربعاء - 03 يونيو 2026 - الساعة 05:30 م
عبدالكريم فؤاد خريصان


تلقيتُ دعوةً من أحد أصدقائي في ثالث أيام العيد، وكانت فحوى الدعوة هي معاودة الأصدقاء والتقاءهم في مدينة المكلا. في التو واللحظة قبلتُ الدعوة؛ لأن هذا العيد كان شبه ميتٍ بلا طعم ولا بهجة، حيث لم أغادر عتبة منزلي في أول وثاني أيامه..


فتحتُ دولابي لأختار أفضل ملابس العيد وارتديتها، وقفتُ قليلاً أمام المرآة لأتفقد مظهري، فإذا بي أرى ثياباً جميلة معلقة على شبح إنسان أنهكته رياح المعاناة والأوضاع المتردية، وفي وجهه تعبٌ مكدر، وملامح تكاد تصرخ في وجه كل من يلتقي بها !! ورغم كل ذلك الكدر، خرجتُ مسرعا من البيت، وركبتُ دراجتي النارية..


نظرتُ إلى ساعتي، فرأيت أن الوقت قد قارب على صلاة العصر.. وصلتُ إلى مسجدٍ ليس ببعيد عن منزلي، وجسدي يتصبب عرقا من كل أنحائه، ولم يُثلج صدري فور دخولي إلا صوت المكيفات وهي تئز بقوة مستمرة في التشغيل.. وفجأة، وما إن وطئت قدمي عتبة المسجد، انقطع التيار الكهربائي !!

"يالله لماذا لم ينقطع هذا التيار اللعين إلا عند دخولي؟؟!!"


وقفتُ في صف المصلين، وملابسي مبتلة بالكامل، لتفوز رائحة العرق في معركتها ضد العطر الذي اشتريته بحوالي مائة ريال سعودي!! انتظرتُ السجدة الأولى لأوجه سهام دعواتي إلى أولئك المتسببين في انهيار الخدمات؛ وما إن سجد الإمام، حتى تحسّبتُ عليهم، ودعوت الله أن يذيقهم مرارة المعاناة في الدنيا قبل الآخرة. مرة الركعات، وسلم الإمام، وسلمتُ بعده، وفورا خرجتُ من المسجد وركبتُ دراجتي لاستكمال مشواري.


مضيتُ على الأسفلت لاهبا، وإذ بي ألمح من بعيد تِلك "البرّادة" التي يتزاحم عليها الناس عادةً لأخذ رشفة ماء بارد، رأيتها خالية تماما !! تخيلوا حجم الفرحة التي غمرتني؛ لن أقف في طابور، ولن أنتظر أحدا. أوقفتُ دراجتي ونزلتُ مسرعا وأنا أمني النفس برشفة تطفئ لهيب جوفي، فتحتُ حنفية البرادة... ولكن، وا أسفاه، لا يوجد ماء، لا بارد ولا حتى حار !! يا لشدة الصدمة، ما هذا الحظ؟؟


ركبتُ دراجتي والغبن يعتصر قلبي شعورا بالقهر لا يمكن لوصفٍ أن يبلغه. واصلتُ طريقي، و "لعنة الحظ" تلاحقني كظلي، وفجأة.. انطفأت الدراجة تماما! يا للهول! كان بالخزان "التانكي" رمقٌ بسيط من مادة البترول، وكنتُ على أمل أن يوصلني إلى المحطة، ولكن حدث مالم يكن بالحسبان، ومات محرك الدراجة.


جلستُ على الرصيف أجمع شتات نفسي بعد أن تملّكني اليأس. وبعد أن استرددتُ أنفاسي، قمتُ بجرَّ دراجتي، مستندا على أملٍ ضئيل، حيث كانت هناك محطة وقود قريبة جدا من موقعي.

ظللتُ أجرُّ دراجتي إلى أن اقتربتُ من المحطة، وابتسمتُ لا إراديا؛ فالمحطة لم يكن بها طوابير طويلة كالمعتاد.. تخيلوا، عشرون دراجة قبلي فقط! عشرون لا غير!! ركنتُ دراجتي في الطابور، واتصلتُ بصديقي الذي دعاني إليه لأخبره بأنني سأتأخر قليلا، وطمأنته بأنني في المحطة وأمامي عشرون دراجة فقط، وهو بدوره استغرب وهتف متعجبا: "عشرون فقط؟!".

والحق يُقال، كان عامل المحطة سريعا في التعبئة، ففور انتهائي من المكالمة، قام بتعبئة خمس دراجات في غضون عشر دقائق. بدأ في الدراجة السادسة، وتجاوز عداد المضخة لترين.. وفجأة، انقطعت الكهرباء!

انقلبت وجوه كل من في الطابور سخطا، أما أنا، فظللتُ متمسكا بأمل واهن عندما رأيت عامل المحطة يتجه نحو الغرفة المجاورة، متأملاً أنه سيقوم بتشغيل المولد. لكن رؤيتي لعلامات الإحباط على وجوه الحاضرين جعلتني أسأل رجلا كان يقف خلفي: "هل سيشغل المولد؟"

ليفاجئني بالرد الصاعق: "المحطة تعطل مولدها منذ الصباح، وهي تعمل الآن بكهرباء الحكومة اللعينة!!".

يا للهول! ما هذا الحظ الذي يطارني؟! جررتُ دراجتي جانبا، وجلستُ قريبا من الرصيف لأستريح، تمهيدا لجرّها مسافة أطول نحو البيت، وقررت الاتصال بصديقي للاعتذار منه وإلغاء الموعد.


بينما أنا جالسٌ على الرصيف والهمّ يثقل كاهلي، إذ بسيارة بيضاء من نوع "سوناتا" تتوقف أمامي، ليخفض سائقها زجاج النافذة.. فإذ هو صديقٌ لي! تساءل بدهشة: "ما الذي يجلسك في هذا المكان وفي هذا الحر؟"

أخبرته بكل ما جرى معي، فما كان منه إلا أن تعاطف معي بروحٍ أخوية صادقة، وأخبرني أنه ليس بحاجة إلى سيارته اليوم، وقال لي: "اركن دراجتك في مكان آمن، وقم بإيصالي إلى منزلي، وخذ سيارتي واذهب بها أينما شئت".


ركبتُ معه وأوصلته إلى بيته، وهناك أخبرني أن السيارة ليس بها من الغاز ما يكفي لإيصالي إلى المكلا، كما أنه لا يوجد بترول في جميع المحطات على الخط، ولكنه أردف قائلا إنه لمح أثناء مجيئه محطة غاز تقوم بالتعبئة. قلتُ له واليأس يملؤني: "اليوم يلاحقني حظ عاثر، ولا أريد المجازفة بالذهاب إلى هناك لأجدها مغلقة أو انتهى فيها". طمأنني وأخبرني أن له صديقا يعمل في تلك المحطة، وقال: "انتظر، سأتصل به". وبالفعل اتصل به وأخبره بأنني قادم إليه، فرحب به العامل وقال: "دعه يأتي".


تحركتُ بالسيارة بعد أن شكرتُ صديقي بحرارة على موقفه النبيل، ترددتُ حينها في تشغيل أي من الأغاني الجنوبية الحماسية؛ كنت مضطرا لكبح رغبتي خشية أن تلاحقني أزمة أخرى، فكل ما يمت بصلة للجنوب والشعب الجنوبي يضع الحكومة في حالة من الهستيريا والجنون!

ظللتُ أقود السيارة قرابة ربع ساعة، حتى بدت لي المحطة من بعيد.. وكانت المفاجأة! المحطة خالية تماما، لا طوابير ولا سيارات! تساءلتُ في نفسي مذهولاً: "ما هذا؟ هل انقشعت اللعنة عني أخيرا؟!"

ركنتُ السيارة بجانب المضخة، ونزلتُ أطلب من العامل أن يملأ الخزان. لاحظتُ أن العامل كان يعلو وجهه خجل شديد، وبعد لحظات من التردد قال لي: "هل أنت من طرف فلان؟"

قلت بكل ثقة: "نعم".

هنا نكس رأسه وقال والأسف يملأ عينيه: "أعتذر منك كثيرا يا أخي.. كان لدينا القليل من الغاز المتبقي، وبعد أن اتصل بي صديقي، قررتُ أن أمنع أي زبون يأتي لأحفظ الكمية لك. ولكن، قبل وصولك بدقائق جاء مالك المحطة فجأة وبحوزته اسطوانات غاز منزلي فارغة، وقام بتعبئتها كلها مع تعبئة سيارته الخاصة واستهلك كل المخزون.. أنا معتذر منك جداً.


يا الله! ما هذا؟ هل كُتبت عليّ لعنة في هذا اليوم؟ ما إن قررتُ الخروج لأشارك الناس فرحة العيد، حتى أصابتني هذه النكبات متلاحقة؟! لقد كان اعتزال العيد بين جدران غرفتي الأربعة في اليومين الأوليين أفضل بآلاف المرات من بهدلة هذا اليوم!


اتصلتُ بصديقي صاحب السيارة لأخبره بما حلّ بي، فقال لي مواسيا: "عد إليّ يا أخي، يبدو أنه ليس مكتوبا لك الذهاب اليوم، وبإذن الله كمية الغاز المتبقية في السيارة ستكفيك للوصول إليّ".

عدتُ أدراجي بالسيارة متوجها إلى صديقي مالك السيارة، وكلي حطام، ومملوء بالقهر والتعب والكدر. وصلتُ إلى منزل صديقي، ركنتُ السيارة بجانب بيته، وطرقتُ بابه لأسلمه المفاتيح شاكرا وممتنا. عندما رآني في تلك الحالة، قال لي إن دراجته النارية بها قليل من البنزين وأنه سيقوم بإيصالي بنفسه، وطلب مني أن يرشدني إلى المحطة التي تركتُ فيها دراجتي.


وصلنا إلى المحطة، وتوجهتُ فورا إلى العامل وسألته بإنهاك: " متى سيتم تشغيل التيار الكهربائي؟ "

أجابني بأن الانقطاع المعتاد هو 4 ساعات، لكن اليوم تواترت الأنباء بأنه ربما ستصل ساعات الانقطاع إلى 7 ساعات متواصلة! عندها، قلت له: "سأترك دراجتي لديك، وفور عودة الكهرباء قم بتعبئتها". أعطيته رقم هاتفي وحسابه سلفا، وللأمانة تعاون معي هذا العامل تعاونا طيبا..


قَفَلتُ راجعا إلى منزلي مشيا على الأقدام، وأنا أجر أذيال الخيبة. أخرجت هاتفي وتحدثتُ مع صديقي الذي دعاني إلى المكلا، معتذرا منه بمرارة وأنا أسرد له شريط المآسي الذي عشته منذ العصر.

وفور انتهائي من المكالمة، وبينما كنت أمشي على الرصيف، فتحتُ الإنترنت لأتصفح الأخبار.. وبعد دقائق، وصلتني رسالة عبر الواتساب من صديق قديم لي، يقيم حاليا في تركيا لاستكمال دراسة الماجستير؛ كنا نلقبه قديما في أيام الدراسة بـ (عديم الحظ)! كانت الرسالة تحتوي على رابط مكالمة فيديو جماعية عبر "جوجل ميت".

نقرتُ على الرابط، ودخلتُ فإذا بالمكالمة تضم أيضا صديقا ثانيا لنا يدرس في ألمانيا. تبادلنا التهاني بالعيد، وتمنيت لهما التوفيق، وسألتهما عن أحوال الغربة. وفجأة، بادرني صديقي الذي في تركيا بسؤال مازح: "غريبة يا أبا فؤاد! لم تنادني اليوم بـ (عديم الحظ) كما كنت تفعل دائما؟!"

تنهدتُ عميقا، وانفجرتُ أخبرهما عن "الحظ اللعين" الذي طاردني منذ أن لبست ثياب العيد حتى تلك اللحظة التي أمشي فيها على قدمي.


أجابني بصوت يملؤه الوعي والثقة:

"يا أبا فؤاد.. لا يوجد شيء اسمه حظ لعين، ولكن توجد حكومة لعينة ومسؤولين فاسدين! حكومة تنهك شعبها وتستمتع بمعاناته اليومية لتشغله بقوته الأساسي عن حقوقه الكبرى. كنا نظن أيضا -عندما كنا في بلادنا- أن حظوظنا عاثرة، حتى خرجنا وعشنا خارج حدود هذه البلاد؛ ورغم اختلاف الأديان والثقافات في البلدان التي نحن متواجدون فيها، إلا أن المفارقة العجيبة أنهم أخذوا جوهر تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وجعلوها دستورا وقوانينَ تحكمهم! رأينا هناك كيف يكون حب المسؤولين لبلدانهم، رأينا احترام المسؤول للمواطن، رأينا الأمانة والعدالة، وتطبيق القانون على الكبير قبل الصغير...".


وافقتُهما الرأي وعيناي تفيضان من القهر، وقلتُ لهما:

" صدقتما.. مسؤولونا انعدم لديهم الضمير، ولا يملكون ذرة حياء. يخرجون علينا بعناوين عريضة تتصدر الصحف والشاشات يتبجحون بأنهم يعملون من أجلنا، وأنهم جاءوا لخدمتنا وتقديم الأفضل، بينما أفعالهم على الأرض تعاكس وتناقض أقوالهم تماما! إن الأرض والبلد التي نحن عليها ثرية وطاهرة، وبها من الخيرات والثروات والموقع الاستراتيجي ما يجعلها تفوق وتتجاوز دولاً كثيرة لو أحسن مسؤولوها استخدامها والاستفادة منها.. ولكنها (الأمانة)، حينما تُفقد في أشباه الرجال، تكون النتيجة حتما كما نعيشها اليوم".