آخر تحديث :الأحد-06 سبتمبر 2026-01:05م

عبدربه منصور هادي.. القائد الذي واجه الألغام والمؤامرات لحماية الشرعية والجمهورية

الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 08:20 ص
العميد طارق علي ناصر هادي


في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا واضطرابًا في تاريخ اليمن الحديث، وجد اليمن نفسه أمام لحظة فاصلة كانت الدولة فيها على حافة الانهيار، وسط انقسامات سياسية حادة وأزمات متراكمة هددت وجود مؤسساتها ووحدتها. وفي تلك اللحظة، برز المشير الركن عبدربه منصور هادي ليتحمل مسؤولية قيادة البلاد في ظرف لم يكن يحمل امتيازات السلطة بقدر ما حمل أعباءها الثقيلة وتحدياتها المصيرية.


لم تكن قيادة الرئيس هادي انتقالًا سياسيًا اعتياديًا، بل كانت مواجهة مفتوحة مع واقع بالغ التعقيد، فرض على الرجل أن يخوض معركة الحفاظ على الدولة والشرعية والدستور، في وقت كانت فيه التوازنات الداخلية والإقليمية شديدة الحساسية، وكانت البلاد تسير فوق أرض مليئة بالألغام السياسية والأمنية.


والحديث عن المشير عبدربه منصور هادي لا يقتصر على موقعه السياسي، بل يمتد إلى تكوينه العسكري والوطني

الذي تشكل منذ سنوات مبكرة. وهنا أستذكر بكل فخر واعتزاز رفيق دربه والدي الشهيد اللواء الركن علي ناصر هادي، الذي جمعته به سنوات الدراسة العسكرية في بريطانيا خلال ستينيات القرن الماضي. هناك، بعيدًا عن الوطن، تشكلت ملامح جيل آمن ببناء مؤسسة عسكرية حديثة تقوم على المهنية والانتماء الوطني، وعادوا حاملين تلك الرؤية لخدمة وطنهم.


منذ اليوم الأول لتوليه السلطة، سار الرئيس هادي وسط حقول معقدة من التحديات والمؤامرات. واجه ضغوطًا سياسية ومحاولات متكررة لإفشال مشروع الانتقال السلمي، ولم تتوقف الاستهدافات عند حدود الخلاف السياسي أو الحملات الإعلامية، بل وصلت إلى مراحل خطيرة استهدفت حياته بشكل مباشر. وبين تفجير السبعين، وأحداث مجمع العرضي، ثم حصار مقر إقامته في صنعاء، وصولًا إلى قصف قصر المعاشيق في العاصمة المؤقتة عدن، ظل الرجل متمسكًا بموقعه ومسؤولياته، مستندًا إلى قناعة بأن الحفاظ على الدولة يتطلب الصمود مهما بلغت التحديات.


ومن أبرز المحطات التي ارتبطت باسمه إدارته للمرحلة الانتقالية، وسعيه إلى تجنيب اليمن الانزلاق الكامل نحو الفوضى. فقد جاء مؤتمر الحوار الوطني الشامل كمحاولة لصياغة عقد اجتماعي جديد يجمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية على طاولة واحدة، في تجربة استثنائية حظيت آنذاك بمتابعة ودعم دولي واسع.


وفي واحدة من أبرز الرسائل السياسية خلال تلك المرحلة، شهدت صنعاء اجتماعًا لمجلس الأمن الدولي بكامل أعضائه، في خطوة حملت دلالات دولية واضحة على دعم مسار الانتقال السياسي وقيادة المرحلة. وأسفر ذلك الحراك عن وثيقة مخرجات الحوار الوطني ومسودة الدستور، التي قدمت تصورًا لدولة اتحادية قائمة على المشاركة والتوزيع العادل للسلطة والثروة.


ومع تحول الأزمة السياسية إلى انقلاب مسلح استهدف مؤسسات الدولة والنظام الجمهوري، وجد الرئيس هادي نفسه أمام اختبار أكثر صعوبة. فتمسك بالمرجعيات السياسية والدستورية، وحافظ على الإطار القانوني المعترف به دول

يًا للدولة اليمنية، الأمر الذي أسهم في استمرار الاعتراف الدولي بمؤسسات الجمهورية ومنع تثبيت واقع القوة كبديل عن الشرعية.


كما امتدت جهوده – وفق رؤية مؤيديه – إلى الحفاظ على الحد الأدنى من بقاء مؤسسات الدولة قائمة رغم ظروف الحرب، بما في ذلك القرارات المتعلقة بإدارة القطاع المالي وإعادة تموضع بعض المؤسسات، إلى جانب محاولات إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية وتهيئة بيئة لتخريج كوادر جديدة في ظروف استثنائية.


لقد كانت تجربة الرئيس عبدربه منصور هادي، بكل ما أحاط بها من تحديات واختلافات وتقييمات متباينة، جزءًا من مرحلة شديدة التعقيد في تاريخ اليمن المعاصر. لكن ما لا يختلف عليه كثيرون أن الرجل قاد البلاد خلال واحدة من أصعب الفترات، وحمل مسؤولية ثقيلة في لحظة لم يكن فيها الطريق معبدًا ولا الخيارات سهلة.


رحم الله المشير الركن عبدربه منصور هادي، وغفر له، وجزاه عن وطنه خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وحفظ اليمن وأهله من كل سوء.


عميد / طارق علي ناصر هادي

2 يونيو 2026