آخر تحديث :الخميس-04 يونيو 2026-08:47م

قارة يافع وإعادة بوصلة الحق

الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 12:04 م
احمد سالم فضل


حين تُذكر يافع، لا تُذكر بوصفها جغرافيا محدودة أو نطاقاً قبلياً فحسب، بل تُستحضر باعتبارها مدرسة تاريخية وسياسية ضاربة الجذور في أعماق جنوب الجزيرة العربية، وحاضرة في مفاصل التاريخ منذ تشكل الممالك القديمة التي قامت على جغرافيا ما عُرف تاريخياً بـ"العربية السعيدة" أو جنوب الجزيرة العربية.


لقد شكّلت يافع حضوراً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً بارزاً في مراحل تاريخية متعددة، بدءاً من الممالك الجنوبية القديمة مثل قتبان وحِمْير، مروراً بعصور التحولات السياسية التي سبقت الإسلام، وصولاً إلى بناء الكيان السلطاني اليافعي ممثلاً في السلطنتين: يافع العليا ويافع السفلى، اللتين أسستا نموذجاً إدارياً واجتماعياً حافظ على قدر كبير من الاستقرار والهوية والخصوصية السياسية.


ولعلّ من أبرز رموز تلك المرحلة التاريخية السلطان الثائر محمد بن عيدروس العفيفي، الذي مثّل نموذجاً وطنياً في مقاومة الهيمنة الأجنبية، وسجّل موقفاً نضالياً ضد الاستعمار، في مرحلة كانت فيها الإرادة السياسية الجنوبية تبحث عن صيغ تحفظ الأرض والهوية والسيادة.


إن الحديث عن مرحلة السلاطين قبل عام 1967م لا ينبغي أن يُختزل في سردٍ عاطفي أو حنينٍ للماضي، بل يجب أن يُقرأ بوصفه تجربة سياسية واجتماعية تستحق الدراسة والإنصاف. فقد كانت تلك المرحلة، رغم محدودية الإمكانات وظروف العصر، قائمة على وضوح في المرجعيات الاجتماعية، وحضورٍ للسلطة المحلية، واحترامٍ للتركيبة المجتمعية، وإدارةٍ للشأن العام تستند إلى الأعراف والمسؤولية التاريخية.


وفي المقابل، فإن ما أعقب تلك المرحلة من تجارب سياسية – بدءاً من تجربة الحكم الاشتراكي، ثم مشروع الوحدة اليمنية، وصولاً إلى حالة اللا دولة التي تشكلت بعد عام 2015م – قد أفرز أزمات مركبة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأثبتت السنوات أن كثيراً من الشعارات الكبرى لم تنجح في بناء دولة مؤسسات قادرة على حماية الإنسان وصون كرامته وتحقيق الاستقرار.


ومن هنا، تبرز أهمية إعادة النظر والمراجعة الوطنية الصادقة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاصطفافات الضيقة. فالتاريخ ليس عبئاً يُتجاوز، بل مرآة يُستفاد منها. وتجربة يافع السياسية والاجتماعية، بما حملته من حضور وتأثير، تستحق أن تكون جزءاً من النقاش الجاد حول مستقبل الجنوب، وكيفية استعادة بوصلة الحق وبناء مشروع سياسي متوازن يستفيد من دروس الماضي ويستجيب لتحديات الحاضر.


إن قارة يافع، بما تمثله من عمق تاريخي ورصيد نضالي وإنساني، ليست مجرد شاهد على التاريخ، بل يمكن أن تكون أحد مفاتيح استعادة الوعي بأهمية الهوية السياسية الجنوبية، القائمة على الشراكة والعدل واحترام الخصوصيات، بعيداً عن التجارب التي أثبتت إخفاقها.


لقد آن الأوان أن يتحول استحضار التاريخ من مجرد رواية للأمجاد إلى مشروع مراجعة وطنية يعيد الاعتبار للتجارب الناجحة، ويضع الأساس لمستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً للأجيال القادمة.