آخر تحديث :الخميس-04 يونيو 2026-08:47م

عندما يُزيف الوعي.. وتصبح "سرقة الدجاج" فضيلة!

الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 04:07 م
خالد مبروك غالب


تقول مقولة تركية بليغة: "إذا تعلمت الدين من الثعلب، ستظن مع الوقت أن سرقة الدجاج فضيلة". تختزل هذه الحكمة واقعاً مؤلماً نعيشه اليوم، حيث يتجلى تزييف الوعي المنهجي في أبشع صوره، مستهدفاً الوازع الديني والقبلي لتبرير الكوارث، حتى استحال الخطأ في عيون البعض فضيلة، وصار المشروع الباطل واجباً مقدساً.لقد شهدنا خلال الفترات الماضية صعود شبكات احتيالية دثرت نفسها بعباءة "التكافل الإسلامي" و"تنمية المجتمع"، وتمكنت من إقناع مئات الآلاف - لاسيما النساء - ببيع مدخراتهن وممتلكاتهن للاستثمار في مخططات "بونزي" الوهمية. والمفارقة الصادمة لم تكن في حجم النهب الذي بخر مليارات الريالات فحسب، بل في موقف الضحايا أنفسهم؛ إذ انبروا للدفاع عن الجناة، معتبرين فضح الاحتيال حرباً ممنهجة على المشاريع الإسلامية!هذا المنطق المشوه لم يقف عند حدود المال، بل امتد ليتغذى على العاطفة الدينية لتمرير أجندات فكرية خطيرة تستهدف النشء عبر المراكز الصيفية والمناهج الموجهة. هناك، جرى تحريف مفهوم الجهاد وحماية الدين، ليتحول إلى غطاء شرعي لاقتحام القرى ومصادرة الأراضي والممتلكات تحت مسميات مطاطية مثل "المجهود الحربي" أو "الخمس".


ونتيجة لهذا الشحن الممنهج، بات الشاب يرى في مصادرة بيت جاره " المختلف معه سياسياً " عملاً صالحاً يتقرب به إلى الله.ولم يسلم قطاع المال والأعمال من هذا التزييف؛ إذ تحولت المناسبات الموسمية إلى مواسم جباية وإتاوات قسرية تُفرض بقوة السلاح باسم "الزكاة". وفي الوقت الذي يُجبر فيه التاجر على الدفع قسراً، يقنع القائمون على هذه الحملات أنفسهم بأنهم يطبقون شرع الله، لتتحول ممارسة الابتزاز والسلب في وعيهم إلى "وظيفة مقدسة" لا يأتيها الباطل.حتى الأعراف القبلية الأصيلة التي شكلت صمام أمان للمجتمع لقرون، نالها نصيبها من الهدم والتشويه. فبُترت قيم الغدر وقطع الطرق بحجة "الضرورة العسكرية"، وتبدلت السواير والأسلاف التي تحرم المساس بالبيوت والأسرى والنساء، ليغدو النهب والتنكيل في ثقافة الدخلاء نوعاً من "الذكاء العسكري" والحنكة.


إن الخلاصة التي يجب ألا نتغافل عنها هي أن غياب المرجعية الفكرية الصادقة، وسيادة آلات غسيل الدماغ، كفيلان بجعل الباطل حقاً مستساغاً. فإذا تُركت الساحة "للثعلب"، فلن يرى المجتمع في الجريمة بأساً.

والسؤال المصيري الذي نضعه اليوم أمام ذوي الشأن وكل غيور على هذا الوطن: إلى متى سنترك الثعالب تصيغ الدين وتُدرّس العُرف لأبنائنا، قبل أن نستفيق على مجتمع مشوه لا يفرق بين الفضيلة والسرقة؟