آخر تحديث :الخميس-04 يونيو 2026-08:47م

المحامي الجبان.. عندما يصبح الصمت شريكًا للظلم

الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 05:40 م
اشرف رضوان فاضل


في قاعات المحاكم، لا تُقاس قيمة المحامي بعدد القضايا التي يترافع فيها، ولا بحجم الأتعاب التي يتقاضاها، بل بقدرته على مواجهة الخطأ، وشجاعته في قول الحقيقة عندما يحاول الآخرون طمسها أو الالتفاف عليها.


فالمحاماة لم تُخلق لتكون مهنة للمجاملة، ولم تُوجد لتكون وسيلة للتقرب من أصحاب النفوذ أو جسرًا للمصالح الشخصية، إنها رسالة قبل أن تكون وظيفة، وموقف قبل أن تكون لقبًا يُكتب على بطاقة تعريف ، ولذلك كان المحامي الشجاع، على الدوام، أحد أهم ركائز العدالة وضماناتها في أي مجتمع يحترم القانون.


غير أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتسلل الجبن إلى هذه المهنة النبيلة ، فالمحامي الجبان ليس ذلك الذي يجهل القانون، بل الذي يعرفه جيدًا ثم يختار تجاهله، هو الذي يرى الأدلة واضحة أمامه، ويدرك أين يكمن الحق، ويعلم بوجود مخالفة قانونية تستوجب المواجهة، لكنه يبتلع كلماته خوفًا من إغضاب قاضٍ أو مسؤول أو صاحب نفوذ.


إنه المحامي الذي يفضل سلامة علاقاته على سلامة العدالة، ويقدم مصالحه الشخصية على واجبه المهني، فما الفرق بين من يمارس الظلم، ومن يشهد وقوعه ثم يلتزم الصمت؟


عندما يمتنع المحامي عن تقديم دفع قانوني حاسم، أو يتردد في كشف مخالفة واضحة، أو يتجنب طرح حقيقة قد تغيّر مسار القضية، فإنه لا يمارس الحياد كما قد يظن البعض، بل يساهم بصمته في إضعاف العدالة. فالحقوق لا تضيع دائمًا بسبب قوة الخصوم، بل كثيرًا ما تضيع بسبب ضعف من يتصدون للدفاع عنها.


والمؤسف أن بعض المحامين باتوا يتعاملون مع قاعات المحاكم بمنطق الحسابات الشخصية لا بمنطق الواجب المهني؛ فيخشون المواجهة القانونية المشروعة، ويتجنبون الاصطدام بالنافذين، ويُقدّمون الحفاظ على العلاقات على حماية الحقوق، وعندها تتحول المحاماة من رسالة نبيلة إلى وظيفة بلا روح.


إن المجتمع لا يحتاج إلى محامين يجيدون الانحناء، بل إلى محامين يجيدون الثبات والوقوف لا يحتاج إلى أصوات تهمس بالحقيقة في المكاتب المغلقة، بل إلى أصوات ترفعها داخل قاعات العدالة، حيث يجب أن تُقال.


فكم من بريء خسر حقه لأن محاميه لم يمتلك الشجاعة الكافية للدفاع عنه؟


وكم من مظلوم غادر المحكمة وهو يدرك أن قضيته لم تخسر بسبب ضعف القانون، بل بسبب ضعف من حمل راية الدفاع عنه؟


إن أخطر صور الجبن ليست تلك التي تظهر في ساحات القتال، بل تلك التي تظهر في ساحات العدالة، فالجندي الجبان قد يخسر معركة، أما المحامي الجبان فقد يساهم في ضياع حق، أو سلب حرية، أو ترسيخ ظلم يمتد أثره إلى عائلات وأجيال.


وعندما يصبح الخوف أقوى من الضمير، والمصلحة أقوى من الواجب، والعلاقة الشخصية أقوى من الحقيقة، فإن العدالة نفسها تصبح الضحية الأولى.


ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة صادقة: من يحمي حقوق الناس إذا كان من أقسم على الدفاع عنها يخشى قول الحقيقة؟

إن العدالة لا تحتاج إلى محامين يصفقون للسلطة، بل إلى محامين يمتلكون شجاعة الوقوف أمامها عندما يقتضي القانون ذلك، فالتاريخ لا يتذكر الذين صمتوا حفاظًا على مصالحهم، بل يتذكر أولئك الذين نطقوا بكلمة الحق عندما كان الصمت أكثر أمانًا.


وفي نهاية المطاف، قد يغفر الناس للمحامي الذي أخطأ في اجتهاده القانوني، لكنهم نادرًا ما يغفرون للمحامي الذي عرف الحقيقة ثم اختار دفنها بإرادته.